"فلسطين ليست قضية دينية، وليست قضية إنسانية، هي قضية وجود، هي قضية أن نكون أو لا نكون.. وإسرائيل هي قضية الاستعمار الجديد القديم، وهي أكذوبة كبرى.. الفاسد يعرف بفلسطين، والشريف يعرف بفلسطين، قل لي ما موقفك من فلسطين أقول لك من أنت" (د. جمال حمدان).
حتى لا ننسى قضية الإنسانية المحورية، القديمة الحديثة "فلسطين"، فقد كان حدث "طوفان الأقصى"، في السابع من أكتوبر 2023، هو الشرارة التي أشعلت باقي القضايا الخامدة إقليميًا وعالميًا، وهو ما نشاهده اليوم في حرب الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ضد إيران، ولعل الواقع والأحداث ترسخ هذه المكانة المحورية لها في قلب المدار الكوني.
باقون كالزعتر والزيتون.. نبتت هذه الكلمات في وجدان الشاعر الفلسطيني الراحل "محمود درويش"، واستحضرتها فعاليات عربية وعالمية وفلسطينية بمناسبة "يوم الأرض الفلسطيني" 30 مارس الماضي، وهو تخليد لذكرى الانتفاضة الشعبية الفلسطينية ضد جريمة الاحتلال الصهيوني لفلسطين في مصادرة الأراضي، والذي وصل إلى ذروته منذ نصف قرن؛ حيث يعود تاريخ هذا اليوم إلى عام 1976، عندما قُتل ستة فلسطينيين برصاص الجنود الصهاينة خلال مظاهرات احتجاجية ضد مصادرة الأراضي الفلسطينية، واعتبرت هذه الحادثة، تخليدًا لمحطة مهمة في تاريخ نضال الشعب الفلسطيني، وما أكثر الحوادث والأحداث التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني وما زال.
الذكرى أحياها فلسطينيون وعرب، والآلاف من أحرار العالم في عدد من المدن من أقصى الشرق إلى الغرب، وكذلك الحملات الإلكترونية لدعم القضية الفلسطينية، بينما يسود الصمت شوارع غالبية الدول العربية، كل التحية للآلاف الذين خرجوا لإحياء المناسبة، ولدعم حقوق الشعب الفلسطيني بما فيها حق العودة للعيش بسلام على أرضهم، ويوم الأرض الفلسطيني هو يوم يحييه أحرار العالم.
كلمات درويش تعكس قوة صمود الشعب الفلسطيني وصلابته، مثل شجرة الزيتون المعمرة، على مدى أكثر من 70 عامًا من التضحيات والصمود من أجل الحرية.
وفي هذا اليوم منذ 50 عامًا، كان الاحتلال الصهيوني يهجر المواطنين، ومن يقتلعه من بيته وأرضه، يحرمه من العودة مرة أخرى، ومن يعود لممتلكاته أو حتى يحاول التسلل عبر الحدود للعودة لأرضه، كان مصيره القتل.
وردًا على قرار الاحتلال مصادرة أراضي السكان المحيطة بقرية "المل" في الجليل أقصى شمال فلسطين التاريخية، وقتها خرج الفلسطينيون دفاعًا عن أراضيهم واحتجاجًا على مصادرة الأراضي وممتلكاتهم، وأقدم الاحتلال على قمع الاحتجاجات وإطلاق الغاز والرصاص على المتظاهرين من كل الفئات العمرية بما فيهم طلاب المدارس، لتمتد الاحتجاجات من الجليل شمالًا إلى النقب جنوبًا، بجانب إضرابات تضامنية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وفي معظم المخيمات الفلسطينية في لبنان.
ونتيجة القمع الصهيوني، استشهد خلال الاحتجاجات 6 فلسطينيين أحدهم طفل يبلغ 15 عامًا، وأصيب 49 آخرون، بينما اعتقلت سلطات الاحتلال أكثر من 300 مواطن فلسطيني.
وامتدت الاحتجاجات والإضرابات إلى قرى دير حنا وكفر كنا ومجد الكروم وسخنين وعرابة وطرعان وطمرة وكابول، والتي دعا إليها عدد من القادة والأعيان من رؤساء المجالس المحلية العربية، وأعضاء من حزب العمل، أبرزهم الشاعر توفيق زياد رئيس بلدية الناصرة، لتنطلق الاحتجاجات مساء 29 مارس وتمتد لأيام، وكتب زياد هذه الكلمات عام 1966 في قصيدته "أناديكم":
"أنا ما هنت في وطني ولا صغّرت أكتافي
وقفت بوجه ظلامي يتيمًا، عاريًا، حافي
حملت دمي على كفي وما نكست أعلامي
وصنت العشب فوق قبور أسلافي".
والاحتجاجات الفلسطينية تعد نواة للانتفاضة الفلسطينية والنضال من أجل وطنه، وهي مرحلة شديدة الأهمية تكاد تكون مفصلية في تاريخ القضية الفلسطينية بين المقاومة بعد النكبة، وحتى انتفاضة الحجارة سنة 1987.
وبفضل التضحيات التي قدمها الشعب الفلسطيني، منذ النكبة حتى اليوم، تظل القضية الفلسطينية هي قضية القضايا للفلسطينيين والعرب وكل أحرار العالم..
ومع ذلك لا ننسى أن هناك دولًا في العالم تنتفض لدعم حقوق الشعب الفلسطيني، من إسبانيا والنرويج وبلجيكا إلى دول في أمريكا اللاتينية، وحتى الموقف المشرف من دولة جنوب إفريقيا وغيرها، كما ذكر موقع "الموقف المصري"، معتبرًا أن الصمود الفلسطيني والتضحيات الشعبية، هي الضمانة لبقاء قضية شعب من أجل حقه في الحياة بسلام في دولته المستقلة، ومهما كان الخزي والتواطؤ ضده وعلى دمائه، فسيبقى صوت العالم الحر يدعم بشجاعة القضية.
ولاشك أن تنظيم حملات للتعريف بأداة المقاطعة، وكشف الشركات المتواطئة والداعمة للاحتلال الصهيوني ومنظومته الاستعمارية، فضلًا عن التشبيك مع مجموعات المقاطعة ومناهضة التطبيع، وكذلك الاهتمام بالتراث والثقافة الفلسطينية، ومن بينها شجرة الزيتون ونبتة الزعتر، فالزعتر، هو نبتة ترتبط بتاريخ وجغرافية فلسطين ورمز متجذر في وجدان كل فلسطيني؛ حيث يرتبط بالتراث والعادات والتقاليد والمطبخ والرواية والأجداد.
[email protected]