متلازمة الشماتة.. لماذا نشعر بالرضا السري بمصائب الآخرين

20-4-2026 | 14:58
متلازمة الشماتة لماذا نشعر بالرضا السري بمصائب الآخرينالشماتة شعورٌ بالرضا الخفي عند مصيبة الآخرين
أحمد فاوي

تُنتج النفس البشرية أحيانًا مشاعر يصعب تقبّلها. فإلى جانب المشاعر الإيجابية كالتّعاطف والشفقة والتضامن، توجد جوانب مظلمة يصعب على معظم الناس الاعتراف بها.

موضوعات مقترحة

أحد هذه الجوانب هو الشعور بالاستمتاع سرًا بمصائب الآخرين. تُعبّر الكلمة الألمانية "Schadenfreude" عن هذا الشعور بدقة. هذا الشعور، الذي قد ينشأ في الحياة اليومية عند رؤية شخص يرتكب خطأً، أو عند مشاهدة فشل شخص نحسده، أو عند رؤية شخص دائم التباهي يُهان، هو في الواقع جانب شائع من الطبيعة البشرية، لكن نادرًا ما يُناقش. بينما يحاول علماء النفس تفسير أصول هذا الشعور بعوامل كالحسد والمنافسة والمقارنة الاجتماعية، يربطه الفلاسفة بالبنية الأخلاقية للبشر.

إذن، ما هو الشعور "Schadenfreude" تحديدًا، ولماذا ينشأ، وهل هو حقًا شعور أكثر شيوعًا مما نعتقد؟ دعونا نُلقي نظرة فاحصة على هذا المفهوم النفسي المثير للاهتمام.

ما هي الشماتة؟

الشماتة (Schadenfreude) كلمة ألمانية مشتقة من كلمتين: "Schaden" وتعني الأذى أو المصيبة، و"Freude" وتعني الفرح. وعند جمعهما، يصبح المعنى واضحًا: شعورٌ بالرضا الخفي عند مصيبة الآخرين. غالبًا ما يُكتم هذا الشعور، إذ يميل الناس إلى كبت ضحكهم أو فرحهم الداخلي بمصائب غيرهم، لأن الأعراف الاجتماعية تشجع على التعاطف والشفقة. ومع ذلك، يرى علماء النفس أن الشماتة عاطفة شائعة نسبيًا، وترتبط ارتباطًا وثيقًا بآليات التنافس الاجتماعي في الدماغ البشري.


المتعة الخفية التي يستمدها الناس من مصائب الآخرين

على الرغم من أن الشماتة مفهومٌ يُدرس بكثرة في علم النفس الحديث، إلا أن أصوله تعود في الواقع إلى زمنٍ أقدم بكثير. فقد ربط الفيلسوف القديم أرسطو المتعة الخفية التي يستمدها الناس من مصائب الآخرين بمشاعر الحسد والتنافس.

بحسب رأيه، يميل الناس إلى مقارنة أنفسهم بالآخرين، وقد تؤدي هذه المقارنة أحيانًا إلى الشعور بالرضا عند فشل الآخرين. وبعد قرون، عبّر الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه عن فكرة مماثلة، مُجادلًا بأن الطبيعة البشرية تتشكل بفعل الرغبة في السلطة والتفوق. ووفقًا لنيتشه، يرغب الناس أحيانًا في الشعور بتحسن تجاه مكانتهم من خلال مشاهدة سقوط الآخرين. يُظهر هذا المنظور أن الشعور بالشماتة ليس مجرد مسألة نفسية، بل هو أيضًا موضوع فلسفي للنقاش.

اقرأ أيضاً:

الطفل والموبايل.. شاشات تفقد التركيز وتدمر الابتكار

الإتيكيت الشعبي في مصر.. عادات بسيطة تحمل معاني كبيرة

 

المقارنة الاجتماعية

يعتقد علماء النفس أن هناك عدة أسباب رئيسية لظهور هذا الشعور، وأهمها المقارنة الاجتماعية. فالناس يقارنون أنفسهم باستمرار بالآخرين، ورؤية شخص ما يفشل، خاصةً إذا كان هذا الشخص موضع حسد أو يُنظر إليه كمنافس، قد يجعل الفرد يشعر بتحسن تجاه نفسه.

عامل آخر مهم هو الشعور بالعدالة. أحيانًا، عندما يرى الناس شخصًا تصرف بغرور أو ظلم أو بطريقة غير أخلاقية يفشل، يعتقدون أن ذلك "نتيجة مستحقة". وهذا قد يخلق نوعًا من الرضا لدى الشخص. ويُطلق علماء النفس على هذا الشعور "إدراك المصيبة المستحقة".


سيكولوجية الجماعة

تلعب سيكولوجية الجماعة أيضاً دوراً هاماً في هذا الشعور. فمواقف مثل خسارة فريق رياضي أمام منافسه، أو ارتكاب خصوم سياسيين أخطاءً، أو فشل شركة منافسة، قد تثير أيضاً مشاعر الشماتة.

في عالمنا المعاصر، تخلق وسائل التواصل الاجتماعي بيئةً يشهد فيها الناس باستمرار حياة الآخرين. ومع استعراضهم لإنجازاتهم وثرواتهم وسعادتهم، تشتد المقارنة الاجتماعية، مما قد يؤدي إلى بروز مشاعر الشماتة.

فضيحة أحد المشاهير.. أو إفلاس رجل أعمال ثري

على سبيل المثال، قد تجذب فضيحة أحد المشاهير، أو إفلاس رجل أعمال ثري، أو ارتكاب أحد المؤثرين الذين ينشرون باستمرار صورًا لحياتهم المثالية خطأً ما، انتباه جمهور واسع على وسائل التواصل الاجتماعي. وقد يشعر من يشاهدون هذه الأحداث أحيانًا بنوع من الرضا، حتى وإن لم يُفصحوا عنه صراحةً.

تُظهر الدراسات أن الناس يُعبّرون عن هذا الشعور بسهولة أكبر، خاصةً على المنصات التي تُتيح التعليقات المجهولة. ولذلك، أصبح الإنترنت أحد أبرز الأماكن التي يُمكن فيها ملاحظة الشماتة بوضوح.

هل الشماتة شعور ضار؟

إن الإجابة على هذا السؤال مثيرة للجدل. يقول بعض علماء النفس إن هذا الشعور جزء طبيعي من الطبيعة البشرية، وأن كل شخص يمر به من حين لآخر. وقد يطور الناس مثل هذه المشاعر لحماية أنفسهم والحفاظ على توازنهم النفسي في بيئات تتسم بالمنافسة الاجتماعية.

لكن هذا الشعور قد يصبح إشكالياً عندما يستمر أو يصل إلى حدّ الاستمتاع بمعاناة الآخرين. وعلى وجه الخصوص، فإنّ انعدام التعاطف، والتنافس المفرط، والعلاقات الاجتماعية العدائية قد تعزز هذا الشعور.

لذلك، يؤكد علماء النفس أن الشماتة ليست عاطفة يجب قمعها تمامًا، بل يجب موازنتها بالتعاطف والوعي.

يتردد الكثير من الناس في الاعتراف بأنهم يستمتعون بمصائب الآخرين. ومع ذلك، تُظهر الأبحاث النفسية أن هذا الشعور شائع جدًا.

خاصةً في البيئات شديدة التنافسية، قد يستمد الأفراد شعورًا بالرضا من إخفاقات منافسيهم. في الواقع، أظهرت بعض الدراسات التي استخدمت تقنيات تصوير الدماغ أن مراكز المكافأة في الدماغ تنشط عند إخفاق المنافسين. تشير هذه النتائج إلى أن الشعور بالشماتة قد يكون له أساس ثقافي وبيولوجي على حد سواء.


إحدى أكثر الطرق فعالية لمكافحة الشماتة هي تنمية التعاطف

التعاطف هو القدرة على فهم مشاعر الآخرين ورؤية الأمور من منظورهم. عندما يبدأ الناس حقًا في فهم الصعوبات التي يمر بها شخص آخر، قد يميلون أكثر إلى تقديم الدعم بدلاً من التشفّي بمحنته.

لذا، يقول علماء النفس إن التعاطف والوعي العاطفي والعلاقات الاجتماعية السليمة يمكن أن تقلل من الآثار السلبية للشماتة. ونظرًا لطبيعة المشاعر الإنسانية المعقدة، فبينما قد لا يكون من الممكن القضاء على هذه المشاعر تمامًا، إلا أنه من الممكن إدارتها بوعي أكبر.

على الرغم من أن الشعور بالخجل غالباً ما يُنظر إليه على أنه شعور "سلبي"، إلا أنه في الواقع يعتبر جزءاً طبيعياً من علم النفس البشري.

تلعب عوامل مثل التنافس الاجتماعي، والغيرة، ومفاهيم العدالة، والهوية الجماعية دورًا هامًا في ظهور هذا الشعور. والأهم هو إدراك هذا الشعور وعدم تحويله إلى سلوكيات تضر بالآخرين.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة