في الوقت الذي تعيش فيه البلاد ذروة فصل الربيع وما يصاحبه من تقلبات جوية حادة ونشاط لرياح الخماسين المحملة بالأتربة، تصاعدت التحذيرات الطبية من انتشار واسع لمرض "الرمد الربيعي" الذي يهاجم عيون الآلاف خلال هذه الفترة من العام، حيث تحول هذا النوع من الحساسية الموسمية إلى مصدر قلق دائم للكثير من الأسر المصرية، نظرًا لما يسببه من آلام وإزعاج يعيق ممارسة الحياة اليومية بشكل طبيعي، خاصة مع تزايد كثافة حبوب اللقاح والمواد المثيرة للحساسية في الجو، وهو ما يضع سلامة الإبصار وقوة القرنية على المحك إذا لم يتم التعامل مع هذه الأزمة بوعي وحذر طبي شديدين.
موضوعات مقترحة
توقيت الذروة والدلالات المرضية
وفي هذا السياق، أوضح الدكتور إيهاب وهبة، أستاذ طب العيون وعضو مجلس الشيوخ، أننا نعيش حاليًا الفترة الأكثر حرجًا بالنسبة لمرضى الحساسية، حيث إن الرمد الربيعي هو التهاب ملتحمة مزمن يتأثر بشكل مباشر بزيادة نسبة الغبار ودرجات الحرارة المرتفعة التي نشهدها في شهر أبريل، مؤكدًا أن هذا المرض ليس مجرد التهاب عابر بل هو استجابة مناعية مفرطة تجاه عوامل بيئية لا يمكن تجنبها أحيانًا، وهو ما يفسر سبب تحول العيادات والمراكز الطبية إلى ساحات استقبال لمئات الحالات اليومية التي تعاني من نفس الأعراض وبدرجات متفاوتة من الحدة.
واستطرد وهبة مبينًا أن التشخيص الدقيق للمرض في هذه الفترة يبدأ بملاحظة أعراض مميزة جدًا، تبدأ بحكة شديدة لا يمكن للمريض مقاومتها، يليها احمرار واضح في العينين وإفرازات مخاطية لزجة تشبه "الخيوط"، لافتًا إلى أن المريض يشعر دائمًا بوجود جسم غريب أو رمال داخل عينه، بالإضافة إلى عدم القدرة على مواجهة الضوء أو ما يعرف بـ "رهاب الضوء"، وهي علامات تستوجب التدخل الطبي الفوري لضمان عدم تفاقم الحالة وانتقالها من مجرد حساسية موسمية إلى إصابة مزمنة قد تترك أثارًا سلبية طويلة الأمد على كفاءة الرؤية.
الرمد الربيعي
مسببات الحساسية وعوامل الخطورة
وأضاف أستاذ طب العيون، أن الأسباب الحقيقية وراء الإصابة بالرمد الربيعي تعود إلى خلل في الجهاز المناعي، حيث يتعامل الجسم مع مواد طبيعية في الجو مثل لقاح الأشجار والزهور على أنها أجسام غريبة ضارة، مما يؤدي إلى إفراز مادة "الهيستامين" التي تسبب هذه الالتهابات، مشيرًا إلى أن العوامل الوراثية تلعب دورًا كبيرًا في هذا الأمر، فغالبًا ما يكون المريض أو أحد أفراد أسرته يعاني من أنواع أخرى من الحساسية مثل الربو الشعبي أو حساسية الجلد، مما يجعل العين أكثر عرضة للتأثر بالمؤثرات الخارجية في هذا التوقيت من العام.
واستكمل عضو مجلس الشيوخ حديثه بالتأكيد على أن خطورة الرمد الربيعي في ذروته الحالية لا تكمن في الحساسية بحد ذاتها، بل في "المضاعفات" الناتجة عن السلوكيات الخاطئة للمرضى، مشددًا على أن فرك العين بقوة وبشكل مستمر نتيجة الحكة يمثل الخطر الأكبر، حيث يؤدي ذلك إلى حدوث تغيرات في تضاريس وشكل القرنية، وهو ما قد يتطور إلى ما يُعرف بـ "القرنية المخروطية" التي تسبب ضعفًا حادًا ومستدامًا في النظر، وقد يتطلب الأمر في مراحل متأخرة تدخلات جراحية معقدة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من قوة الإبصار.
الدكتور إيهاب وهبه أستاذ طب العيون وعضو مجلس الشيوخ
تحذيرات من الاستخدام العشوائي للأدوية
وحذر الدكتور إيهاب وهبة بشدة من الانسياق وراء الوصفات المنزلية أو استخدام قطرات العين التي تحتوي على مشتقات "الكورتيزون" دون إشراف طبي دقيق، لافتًا إلى أن هذه القطرات تعطي مفعولًا سحريًا وسريعًا في إخفاء الاحمرار والحكة، مما يدفع المريض لاستخدامها بشكل مفرط، وهو ما يؤدي إلى كوارث صحية مثل الإصابة بـ "المياه الزرقاء" التي تدمر العصب البصري بشكل صامت، أو عتامة العدسة "المياه البيضاء"، وكلاهما يمثل تهديدًا مباشرًا للقدرة على الرؤية إذا تم إساءة استخدام العلاج.
وأشار وهبة إلى ضرورة اتباع بروتوكول علاجي متدرج يبدأ باستخدام القطرات المضادة للهيستامين والقطرات المثبتة للخلايا المناعية، بالإضافة إلى الدموع الصناعية الخالية من المواد الحافظة التي تعمل على غسل العين من مسببات الحساسية، مؤكدًا أن الحالات الشديدة والمستعصية هي فقط التي تستدعي الكورتيزون بجرعات دقيقة وفترات قصيرة جدًا تحت مراقبة ضغط العين، وذلك لتجاوز مرحلة "الهجمات الحادة" التي تسببها تقلبات الطقس الحالية دون التعرض لأعراض جانبية خطيرة.
اقرأ أيضا:
الطفل والموبايل.. شاشات تفقد التركيز وتدمر الابتكار
خديعة الربيع المتقلب.. كيف تنجو من التذبذب الحراري وهجمات الفيروسات التنفسية؟
الوقاية طوق النجاة في أبريل
وحدد أستاذ طب العيون مجموعة من القواعد الوقائية التي تمثل حجر الزاوية في التعامل مع هذه الفترة، تبدأ بضرورة تجنب الخروج في الأوقات التي تنشط فيها الرياح المحملة بالأتربة، والحرص على ارتداء النظارات الشمسية الأصلية والمزودة بفلاتر حماية لتقليل كمية الضوء والأتربة التي تصل للعين، واستخدام الكمادات الباردة بشكل دوري لتهدئة العين وتقليل تمدد الأوعية الدموية، وهو إجراء بسيط لكنه فعال جدًا في تقليل الشعور المزعج بالحكة والحرقان.
ولفت عضو مجلس الشيوخ إلى أهمية العناية بالنظافة الشخصية، من خلال غسل الوجه والعينين بالماء الفاتر باستمرار وتجنب لمس العين باليدين قدر الإمكان، مع ضرورة تغيير أغطية الوسائد بشكل متكرر لتقليل تراكم مسببات الحساسية، مستطردًا بأن التغذية السليمة وشرب كميات وافرة من المياه تلعب دورًا غير مباشر في الحفاظ على رطوبة العين وصحتها العامة، مما يجعلها أكثر قدرة على مواجهة التحديات البيئية التي يفرضها فصل الربيع الحالي بكل تقلباته المعروفة.
رسالة ختامية للمجتمع
واختتم، الدكتور إيهاب وهبة، بالتأكيد على أن الرمد الربيعي مرض يمكن التعايش معه والسيطرة عليه بذكاء وهدوء، شريطة الالتزام بتعليمات الطبيب المختص والابتعاد عن العشوائية في العلاج، مؤكدًا أن الوعي هو السلاح الأول لحماية عيون المواطنين من التضرر الدائم، داعيًا الأسر إلى عدم التهاون في فحص الأطفال والشباب عند ملاحظة أي أعراض غير طبيعية، لضمان مرور هذا الموسم بسلام دون أن يترك أثرًا سلبيًا على أغلى ما يملك الإنسان، وهي "نعمة البصر".
موضوعات قد تهمك:
وجبة بـ 30 جنيه.. هل أكل الشارع صفقة و لا فخ؟
«سم قاتل في حقنة».. هوس الرشاقة عبر السوشيال ميديا يحول «إبر التخسيس» إلى قنبلة موقوتة