رغم عدم وجود أفق يمكن الوثوق به لانتهاء الحرب الأمريكية - الإسرائيلية على إيران في ظل تعتيم مقصود على ما يجري في الغرف المغلقة وتباعد في المواقف وارتفاع سقوف المطالب والشروط حول اتفاق ينهي هذه الحرب العبثية، إلا أن كل التقديرات تؤكد -إلى حد اليقين- أن توقف الحرب اليوم لن يعيد الاقتصاد العالمي إلى سابق عهده، وأن ارتدادات الحرب على الأسواق وتلاشي تداعياتها سوف يستغرق وقتًا طويلًا، ربما يصل إلى عامين أو يزيد، أما إذا عادت الحرب بعد انتهاء الهدنة الأربعاء المقبل، واستمر إغلاق مضيق هرمز فسوف يسقط الاقتصاد العالمي إلى هاوية بلا قاع، وأزمة بلا سقف، ودوامة كارثية لا حدود لها، ستدفع فاتورتها الشعوب لسنوات قادمة؛ بفعل التضخم والركود الكبير الذي سيضرب العالم.
نذر هذا الخطر حملتها تقارير المؤسسات الدولية وتصريحات خبراء الاقتصاد في العالم لتؤكد في مجملها أن هذه الحرب العبثية تهدد اقتصاديات دول العالم؛ حيث بدأت شظاياها تضرب مفاصل قطاعات إنتاجية وصناعية ولوجستية تمثل ركيزة أساسية في حركة الاقتصاد العالمي، ولعل ما جاء في تقرير صندوق النقد الدولي قبل أيام حول آفاق الاقتصاد العالمي يدلل على حجم الخطر، ويؤكد انحراف الاقتصاد العالمي إلى مسار خطير، ستكون له تداعيات أشد وطأة على العالم؛ حيث توقع تراجع النمو العالمي إلى 3.1% في العام الجاري بانخفاض قدره 0.2 نقطة مئوية عن توقعاته الصادرة في يناير، وذلك في حال انتهت الحرب اليوم، أما في حال طالت الحرب، وتسبب ذلك في ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي بنسبة تتراوح بين 100 و200% مقارنة بشهر يناير، واستمرارها عند هذا المستوى حتى عام 2027، فإن النمو الاقتصادي العالمي لن يتجاوز 2% هذا العام.
والنتيجة المتوقعة لهذا التدهور في النمو هي الركود العالمي الكبير الذي قال عنه الصندوق إنه لم يحدث منذ عام 1980.
وكل التقديرات تشير إلى أن أسعار الطاقة لن تعود إلى ما كانت عليه قبل الحرب، فهناك نحو 80 مؤسسة نفطية بالمنطقة تضررت في الحرب، وأعادتها للعمل بكامل طاقتها ستأخذ بعض الوقت، وبعضها يستغرق من 3 إلى 5 سنوات -كما في قطر- بالإضافة إلى أن تآكل مخزون احتياطي النفط لدى العديد من الدول يمثل أيضًا عامل ضغط على الطلب العالمي؛ حيث ستلجأ هذه الدول إلى سد هذا العجز؛ وهي كلها عوامل ستبقي الطلب على النفط مرتفعًا، وبالتالي الأسعار أيضًا عند مستويات عالية لفترة طويلة؛ مما يزيد التضخم والركود في أسواق العالم.
وحدوث هذا الركود يعني بالمفهوم الاقتصادي تراجعًا حادًا في الاستثمارات الجديدة، وازدياد معدل الإفلاس والتعثر بين الشركات، وارتفاع معدلات البطالة؛ نتيجة تراجع معدل التشغيل، علاوة على الغلاء وارتفاع تكلفة المعيشة؛ وهي كلها أعراض تمثل ضغطًا على فئات وشرائح واسعة في دول العالم ما يزيد من المشكلات المجتمعية.
وفي ضوء هذه المؤشرات التي تدق ناقوس الخطر في البيت الأبيض للإسراع في وقف هذه الحرب المجنونة، التي جر رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو حليفه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إليها، وفق حسابات خاطئة كانت تتوقع لها أن تكون حربًا خاطفة تنهي نظام طهران وتحقق لأمريكا وإسرائيل هدفهما في إخضاع إيران، إلا أن الأمور لم تسر وفق ما تم التخطيط له وفوجئ المتحاربون بورقة "هرمز" التي استخدمتها إيران لخنق الاقتصاد العالمي، ورفع الكلفة الاقتصادية على الجميع.
والمؤكد أن هذه التداعيات تطال الجميع، والتضخم الكبير يهدد كل الدول، ومصر تتعرض لمثل هذه التداعيات الوافدة -شأنها شأن دول العالم- لكن بخبرة تمكنها من التصدي لها وتقليل تأثيراتها، فلاشك أن الاقتصاد المصري استطاع -خلال عقد من الإصلاحات الهيكلية الصعبة- أن يبني قواعد قوية تمكنه من امتصاص مثل هذه الصدمات، والحد من تأثيراتها السلبية، ولعل إشادة مديرة صندوق النقد كريستالينا جورجيفا قبل أيام بأداء الاقتصاد المصري، وتعاطيه مع تأثيرات الحرب، يؤكد سلامة الإصلاحات وفاعليتها في تحصين الاقتصاد المصري في مواجهة الصدمات، إلا أن هذا لا يعني عدم تأثر مصر كليًا بتداعيات الحرب، فالمؤكد هناك تأثيرات سلبية، وخصوصًا إذا طالت الحرب، لكن في المقابل هناك قدرات اقتصادية لمصر تمكنها من احتواء التداعيات، وقد رأينا اختبارًا عمليًا في بداية أيام الحرب تمثل في ارتفاع سعر الدولار؛ نتيجة خروج بعض الأموال الساخنة، لكن بفضل استقرار السياسة النقدية، ووجود سعر صرف مرن واحتياطي قوي وصل إلى 53 مليار دولار، تمكن الاقتصاد من الصمود وامتصاص الصدمة، وها هو سعر الصرف بدأ يتراجع مرة أخرى، وهذا دليل على قدرة الاقتصاد على الصمود وامتصاص الصدمة، ولم تعد مصر في حاجة إلى برنامج جديد مع صندوق النقد، الذي ينتهي في نوفمبر المقبل.
يقينًا، أن الحكومة مطالبة طوال الوقت بالبحث عن إجراءات جديدة وسياسات ناجزة؛ للحفاظ على المكتسبات الاقتصادية التي تحققت وتعظيمها في هذه المرحلة التي تتطلب قرارات استثنائية في مواجهة التضخم الوافد والركود المتوقع، ولا شك أن برنامج الترشيد والتقشف -الذي تم الإعلان عنه- يجب أن يتوسع ويتعمق مع البدء في رفع سعر الفائدة؛ للحد من التضخم والتوسع في برامج الحماية الاجتماعية، بعد أن أثبتت التجربة أن الإجراءات الاستباقية يكون لها نتائج إيجابية وتحد من كلفة التأخر في اتخاذها.
كما أن الشفافية والوضوح في اتخاذ مثل هذه القرارات يوفر لها ظهيرًا شعبيًا داعمًا، ويضمن لها النجاح، وأعتقد أن الشعب المصري أثبت خلال سنوات الإصلاح أنه على قدر المسئولية، وتحمل بصبر وطيب خاطر أعباء الإصلاح، وقد أثبتت الأحداث المتتالية وتداعياتها -منذ كورونا وحرب روسيا وأوكرانيا وغزة واليوم الحرب على إيران- أن الرهان على الإصلاح الاقتصادي كان في محله.
حفظ الله مصر.
[email protected]