يتجدد النقاش المجتمعي والقانوني في مصر حول معضلات قانون الأحوال الشخصية، وسط ترقب واسع للتعديلات التي تضمنها مقترح مشروع القانون الجديد.
موضوعات مقترحة
هذا النقاش ليس وليد اليوم، بل يأتي في ظل إشكاليات قائمة ومتجذرة في المنظومة القانونية منذ عام 1920، ومروراً بسلسلة من القوانين المتعاقبة حتى دستور 2014، والتي أثبت التطبيق العملي لبعض بنودها أنها أفرزت ثغرات أدت إلى نزيف مجتمعي حاد يهدد تماسك الأسرة المصرية.
وفي قراءة قانونية متعمقة لهذه الأزمة، يرى المستشار وائل نجم، المحامي بالنقض والدستورية العليا وسكرتير عام مفوضية الأمم المتحدة، أن المخرج الوحيد من هذه الدوامة يكمن في تغيير "فلسفة تفكيك الأسرة" التي سيطرت على التشريعات السابقة، واستبدالها بنصوص تحقق التوازن والعدالة والمساواة الحقيقية بين الجنسين، بما يضمن المصلحة الفضلى للطفل أولاً وأخيراً.
الرؤية والاستضافة من "التعذيب المقنن" إلى حق الرعاية
تعد قضية الرؤية من أكثر النقاط التي يرى المستشار وائل نجم أنها تحتاج لتدخل جراحي عاجل؛ حيث يتساءل مستنكراً، "هل يُعقل أن تُختزل علاقة الأب بابنه في ثلاث ساعات أسبوعياً داخل جدران نادٍ أو مركز شباب؟".
ويؤكد نجم أن هذا ليس حقاً في الرؤية بل هو "تعذيب مقنن" يقتل رابطة الدم ويحول الأب إلى غريب في عيون أبنائه، مانعاً إياه من ممارسة دوره الطبيعي في التربية والتقويم.
ويشدد نجم على أن الأب ليس مجرد "توقيع على ورقة نفقة" أو حساب بنكي، بل هو أمان نفسي وقدوة سلوكية. لذا، يطرح المقترح الجديد آلية "الاستضافة والاصطحاب"، لتمكين الطفل من المبيت في منزل والده والاندماج مع عائلته الثانية، مع وضع ضوابط صارمة تضمن عودة الطفل للحاضنة، وفرض غرامات رادعة تتراوح بين 10 آلاف و80 ألف جنيه على أي طرف يخل بالمواعيد أو يمتنع عن التنفيذ.
إعادة ترتيب الحضانة والوصاية
وفي ملف شائك آخر، يدعو المستشار وائل نجم إلى ضرورة تعديل ترتيب الحضانة لتصبح في المرحلة الرابعة للأب مباشرة (بعد الأم، ثم أم الأم، ثم أم الأب)، بدلاً من الترتيب المتأخر الحالي الذي يقصي الأب عن المشهد. ويشير نجم إلى أن وفاة الأم يجب أن تؤول معها الحضانة تلقائياً للأب لضمان استقرار الطفل.
أما في قضية الوصاية على المال، فيوضح نجم أن القانون المصري الحالي يسند الوصاية تلقائياً للجد من ناحية الأب، مما يسبب نزاعات قضائية مريرة بين الأم وأهل الأب بعد الوفاة. ويقترح نجم تفعيل مواد قانون الوصاية التي تسمح بنقل هذه الصلاحيات للأم لضمان سرعة تلبية احتياجات الأبناء المعيشية والتعليمية دون الدخول في دهاليز المحاكم لشهور طويلة.
الحقوق المالية.. توازن "الكد والسعاية" وقائمة المنقولات
ينتقل المستشار وائل نجم في رؤيته إلى الشق المالي، مؤكداً على ضرورة بقاء "قائمة المنقولات" حقاً خالصاً للزوجة يُعاقب بالحبس من يمتنع عن تسليمها. وفي المقابل، يقترح تعديل قانون الخلع ليتضمن رد حقوق الرجل الأصلية من شبكة ومهر وقائمة (إن وجدت) في حال الخلع، لضمان أن اللجوء لهذا المسار لا يكون إلا للضرورة والضرر الحقيقي.
كما يطرح نجم فكرة "الملف الواحد"، بحيث يتم جمع كافة نزاعات الأسرة (نفقة زوجية، صغار، مسكن، علاج، مصاريف دراسية) أمام قاضٍ واحد لسرعة الفصل فيها، مع منح القاضي سلطة تقديرية لفرض "حد الكفالة" المناسب الذي يضمن حياة كريمة للأبناء ويزداد سنوياً لمواجهة التضخم.
اقرأ أيضا:
تعرّف على كيفية حساب النفقة الزوجية ونفقة الأبناء
هل يجوز كتابة الذهب في قائمة المنقولات؟ أمينة الفتوى تحسم الجدل
"أنفق.. لكي تستضيف"
ويضع نجم قاعدة ذهبية لتحقيق العدالة، وهي الربط بين الواجب والحق؛ فلا يحق للأب الممتنع عن الإنفاق المطالبة بالاستضافة، وفي المقابل لا يحق للأم الحاضنة منع الرؤية إذا كان الأب ملتزماً بواجباته. ويقترح نجم تنفيذ الاستضافة في أيام متتالية (مثل الخميس والجمعة) بمراكز الشباب الأقرب للطفل، مع حضور الأطراف المعنية فقط لضمان بيئة هادئة للصغار، وتحديد مواعيد خاصة في رمضان والأعياد لتعزيز صلة الرحم.
المستشار وائل نجم
شهادة وفاة للأسرة أم طوق نجاة؟
يختتم المستشار القانوني وائل نجم قراءته للمشهد بالتأكيد على أن الأسرة هي اللبنة الأولى لبناء الأمة، وأن أي خلل في تشريعها هو ضرب لقلب الوطن. ويناشد المشرع المصري بتبني قانون متوازن يعيد للأب كرامته، وللأم حقوقها، ويحمي الأطفال من أن يكونوا "دروعاً بشرية" في معارك الكبار. فالعدل ليس اختياراً، بل هو طوق النجاة الأخير لحماية مستقبل الأجيال القادمة من الانفصال التام عن جذورهم وقيمهم.
موضوعات قد تهمك:
"شاشات تسلب العقول".. التداعيات النفسية لإدمان الألعاب الإلكترونية ومسارات الحماية المجتمعية
وجوه خلف الشهرة.. عندما تتحول حياة أبناء المشاهير إلى أزمات علنية