تتصرف إيران في هذه المرحلة الحرجة من تاريخها كما يتصرف لاعب الشطرنج المخضرم الذي يعرف بالضبط متى يضحي بالحصان ليحتفظ بالملك، ومتى يدفع بجندي إلى الأمام حتى يحمي قلعته. ليس في الأمر تطابق بين ما تقوله طهران في بياناتها الرسمية وما تفعله في غرف المفاوضات المغلقة، وليس في الأمر تناقض بين الخطاب الثوري المدوي للجماهير وحسابات الربح والخسارة الباردة التي يجريها قادة الحرس والمرشد.
أشرنا في مقال سابق إلى أن "ورقة مضيق هرمز بلا مستقبل"، وأن إيران ستتنازل عنها طواعية لصالح الاحتفاظ بأوراق أخرى أكثر جوهرية، وفي مقدمتها البرنامج الصاروخي الذي يمثل العمود الفقري لعقيدتها الدفاعية والردعية. وقلنا أيضاً إنها ستقدم تنازلات محسوبة في ملفها النووي، لا لأنها ضعفت أو انكسرت، بل لأنها تدرك أن فن السياسة هو فن إدارة التنازلات، وأن الدول الكبرى نفسها تتنازل عندما يتطلب الأمر حماية للمصالح الإستراتيجية العليا.
والحقيقة التي تغيب عن كثير من المتابعين، وخصوصاً أولئك الذين يملأون منصات التواصل الاجتماعي بالتحليلات الحماسية والتمنيات العاطفية، أن القيادة الإيرانية لا تدير الصراع مع الولايات المتحدة وإسرائيل بعقلية المشجع في المدرجات، لكن بعقلية ربان السفينة في بحر هائج. إنها تعرف بالضبط متى ترفع الشراع ومتى تنزله، ومتى تواجه العاصفة ومتى تلجأ إلى ميناء آمن.
لنكن صرحاء مع أنفسنا إيران لم تبدأ الحرب التي نصحها بها بعض أنصارها المتحمسين. لم ترسل صواريخها الباليستية لتدمير تل أبيب حين اغتالت إسرائيل قادة كباراً في الحرس الثوري في دمشق. لم تغلق مضيق هرمز حين فرضت واشنطن أقصى درجات العقوبات الاقتصادية. لم تعلن التعبئة العامة حين هددت حاملات الطائرات الأمريكية بالاقتراب من مياهها الإقليمية. لم تفعل شيئاً من ذلك، ليس جبناً ولا ضعفاً كما يتوهم البعض، لأنها أدركت أن الاحتفاظ بصورة "الدولة النامية التي تواجه أكبر قوة في العالم" هو بحد ذاته انتصار إستراتيجي.
لاحظوا معي كيف أدارت طهران حرب الردود المتبادلة مع إسرائيل. كل ضربة إسرائيلية قوبلت برد إيراني محسوب بدقة هندسية، ودائماً "بشوية أقل" من قوة الضربة التي تلقتها.
نعم، أسست الجمهورية الإسلامية نظامها السياسي على فكرة مقاومة المنظومة العالمية التي تقودها الولايات المتحدة وتدعم إسرائيل. نعم، بنت خلال أربعة عقود قاعدة صناعية عسكرية حقيقية جعلتها قوة إقليمية لا يمكن تجاهلها أو تجاوزها. نعم، أتقنت فن مبارزة الكبار دون تهور أو رعونة، ودون أن تجعل من الشعارات الثورية بديلا عن الحسابات الواقعية، حتى لو استخدمت تلك الشعارات لتعبئة البسطاء والمهمشين في العالمين العربي والإسلامي.
لكن الإنصاف يقتضي القول إن هذه السياسة الإيرانية نفسها أضرت بمصالح دول أخرى كثيرة. تدخلت في شئون العراق ولبنان وسوريا واليمن، وأشعلت حروباً بالوكالة أريقت فيها بحور من الدماء. استخدمت أدوات كثيرة خاطئة دفاعاً عن مصالحها القومية والأيديولوجية، وفرضت نموذجها بالقوة عبر وكلائها وأذرعها الممتدة من طهران إلى بيروت وصنعاء وبغداد. وهذا تحديداً ما يجعل الحديث عن دروس الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ضرورة ملحة للمستقبل.
السيناريو الإسرائيلي الذي راهن على تفكيك النظام الإيراني وانهياره من الداخل فشل فشلاً ذريعاً. قلنا هذا منذ البداية وتوقعناه، وتوقعه معنا كثير من المراقبين الجادين الذين يفرقون بين الأمنيات والتحليل الإستراتيجي. الأنظمة الثورية لا تنهار تحت الضربات الخارجية المحدودة، إنما تتعزز شرعيتها الداخلية كلما شعرت بالخطر الخارجي. هذا درس من دروس التاريخ لا يحتاج إلى عبقرية لاستيعابه.
لكن فشل سيناريو التفكيك لا يعني أن إيران خرجت من هذه المواجهة كما دخلتها. الضغوط الاقتصادية الخانقة، والاحتجاجات الداخلية المتكررة، والإحباط المتصاعد بين الشباب الإيراني الذي يريد أن يعيش حياة طبيعية بعيداً عن الصراعات الأيديولوجية التي تستهلك موارده وطاقاته... كل هذه عوامل تدفع نحو تغيير حقيقي في السلوك الإيراني، ليس بالضرورة تغييراً في هوية النظام أو بنيته الأساسية، ولكن تغييراً في طريقة تعامله مع العالم ومع شعبه.
أعتقد، وهذا مجرد تقدير قابل للنقاش، أن المرحلة القادمة قد تشهد ولادة إيران مختلفة. إيران أكثر انفتاحاً على العالم، وأكثر استجابة لمطالب شعبها المشروعة في الإصلاح والتنمية والحرية. إيران تقلص تدخلاتها في شئون الدول الأخرى، وتتوقف عن فرض نموذجها بالقوة عبر الوكلاء والميليشيات المسلحة. إيران تدرك أن تكلفة الإمبراطورية الإقليمية أصبحت أعلى من قدرتها على تحملها، وأن الاحتفاظ بالقلب النابض في الداخل أهم من الاحتفاظ بأطراف قد تكون عبئاً أكثر مما هي مكسب.
هذه المطالب الإصلاحية ليست أمريكية كما يحلو للبعض أن يصورها. أمريكا لا يعنيها إصلاح النظام الإيراني من الداخل، ولا يعنيها أن يعيش الإيراني العادي حياة كريمة حرة. أمريكا يعنيها فقط أمن إسرائيل وأمن حلفائها في الخليج، وضمان تدفق النفط بأسعار معقولة إلى الأسواق العالمية. أما الإصلاح فهو مطلب إيراني خالص، ينادي به قطاع واسع من الشعب الإيراني الذي يريد أن يرى بلاده طبيعية، مندمجة في محيطها الإقليمي والدولي، منشغلة بتنمية مواردها البشرية والمادية الهائلة بدلاً من إنهاكها في صراعات لا تنتهي.
إيران الطبيعية تحتاجها المنطقة ويحتاجها العالم. إيران بشبابها المتعلم ونسائها المبدعات وتاريخها الحضاري العريق وموقعها الجغرافي الإستراتيجي يمكن أن تكون شريكاً في بناء مستقبل أفضل للشرق الأوسط، لا أن تكون مصدراً دائماً للتوتر وعدم الاستقرار.
لكن هذا التحول لن يحدث بين ليلة وضحاها، ولن يحدث تحت الضربات العسكرية أو العقوبات الخانقة. سيحدث فقط عندما تقتنع النخبة الحاكمة في طهران بأن مصلحة إيران الحقيقية تكمن في أن تكون دولة طبيعية، لا دولة ثورة دائمة.
الدروس المستفادة من هذه المواجهة كثيرة ومتعددة المستويات. على المستوى الإيراني، الدرس الأول هو أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لضمان الأمن والازدهار، وأن الاقتصاد القوي والمجتمع المتماسك هما الحصنان الحقيقيان لأي دولة. الدرس الثاني هو أن التحالفات القائمة على الأيديولوجيا وحدها هشة وقابلة للانكسار، وأن المصالح الوطنية الدائمة يجب أن تكون فوق الاعتبارات العقائدية المؤقتة. الدرس الثالث هو أن المناورة بين القوى الكبرى تتطلب مرونة عقائدية وسياسية لا تتوافر دائماً في الأنظمة الأيديولوجية الصلبة.
أما على المستوى الإقليمي، فالدرس الأهم هو أن الرهان على انهيار إيران كان ولا يزال رهاناً خاسراً. دول الخليج العربي تحديداً تحتاج إلى إعادة النظر في علاقتها مع طهران على أسس جديدة من الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشئون الداخلية. الاتفاق السعودي - الإيراني الذي رعته الصين كان خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنه يحتاج إلى متابعة وتعميق ليتحول من مجرد هدنة دبلوماسية إلى شراكة إقليمية حقيقية.
على المستوى الدولي، الدرس المستفاد هو أن سياسة الضغط الأقصى التي انتهجتها إدارة ترامب واستمرت مع بعض التعديلات في عهد بايدن لم تحقق أهدافها المعلنة.
إيران لم تنهر، النظام لم يسقط، البرنامج النووي تقدم بدلاً من أن يتوقف، والنفوذ الإقليمي الإيراني لم يتراجع بالشكل الذي توقعته واشنطن. هذا الفشل يجب أن يدفع نحو البحث عن صيغ جديدة للتعامل مع طهران، صيغ تجمع بين الحزم في مواجهة السلوكيات المزعزعة للاستقرار، والانفتاح على إمكانية دمج إيران في النظام الإقليمي والدولي.
أخيراً، وعلى المستوى الإنساني، الدرس الأكثر إيلاماً هو أن الحروب والصراعات تدفع ثمنها الشعوب قبل الحكومات. الشعب الإيراني عانى الأمرين من العقوبات الاقتصادية، كما عانى الشعب اليمني من الحرب التي أشعلتها السياسات الإيرانية، وكما عانى الشعب السوري من التدخلات المتقاطعة التي دمرت بلاده. آن الأوان لكل الأطراف أن تدرك أن الاستقرار والتنمية والكرامة الإنسانية هي المصالح الحقيقية التي يجب أن تتسابق الدول لتحقيقها، لا المصالح الضيقة للحكام والنخب الحاكمة.
في النهاية، ستخرج إيران من هذه المرحلة مختلفة عما كانت عليه. ربما تظل الجمهورية الإسلامية قائمة كمؤسسة سياسية، لكنها ستكون أكثر واقعية وأقل أيديولوجية. ربما يحتفظ المرشد الأعلى بسلطاته الدستورية، لكن نفوذه الفعلي سيتراجع لصالح المؤسسات المنتخبة والقطاع الخاص والمجتمع المدني. وربما، وهذا هو الرهان الحقيقي، تتحول إيران تدريجياً إلى دولة طبيعية تجد مكانها الطبيعي في المنطقة والعالم، دولة تحترم جيرانها ولا تتدخل في شئونهم، دولة تبني مستقبلها بدلاً من أن تعيش على أمجاد ماضيها الثوري.