ما إن وصل هذا الصغير الجميل وحل بوجوده المضيء في حياتي، حتى تغيرت مشاعري تمامًا واختلطت أولوياتي، تسامحت مع كل شيء ومع أي أحد، تغيرت أفكاري وتباينت، بدت نفسي كعروس شابة ترغب في أن تمتد بها الحياة لتعايش طفلها كل تطور ونمو يجد عليه، تبتهل إلى الله وتدعوه بأن يحفظه لها ويمنحه الصحة وموفور العمر، لأول مرة أجد في نفسي حرصًا على بقاء وعلى طول عمر؛ رغبة في مشاهدة هذا الصغير وهو ينمو وينجح في حياته، أعيش معه تفاصيل يومه، أستقبله بفرحة وسرور وسعادة تملأ القلب وتفيض عنه.
وجدت نفسي منذ اللحظة الأولى وهي تتحين الفرصة لمجالسته والتواجد معه، أهدهده وأحتضنه كأني أحتضن سنوات عمري التي هربت وتسللت كما يتسلل الماء من بين أصابعي، فأرى العالم قد أصبح ملك يدي، فالصغير استقر في فؤادي وفي عيني، بعد أن ودعت سنوات عمري التي فرت كطائر تعلم وأتقن الطيران، بعد أن كبر أبنائي، وخلت أيامي من مناغاة أسعدتني من قبل أن تسعدهم، وتهيئ لهم أفضل الأجواء، فأنا الآن أحمل صغيرًا لي، أحتضنه وأهدي إليه بالغ إحساسي وأمنحه خالص محبتي.
تجربة جديدة مررت بها ومر بها الكثير ممن حولي، قال لي أحدهم ذات يوم عند علمه بها: "استمتعي بتجربتك فهي جالبة للسعادة والمتعة المطلقة"، أدركت حينها أنه قد سبقني بها، وما كنت لأصدقه إن قالها وهو لم يمر بها، وأيقنت صدقه عندما مررت بتجربتي الخاصة الممتعة.
الطفولة لم تزل حاضرة بداخلنا، حية تقصد المرح واللعب، أول حفيد سيأتيك ستجده يحمل لك معه من الأحلام أجملها، ستحدق عيناك محياه وترقبه في سكونه وفي حركته، ستجلس إلى جواره مستسلمًا تراقبه في يقظة وفي منام، إنها المنحة الإلهية الكبرى التي تصل ماضينا السابق بحاضرنا، ستعطيك الفرصة الكاملة لترجمة مشاعر كتمتها بوجدانك زمنًا، بعدما كبر الصغار، تزوجوا وأنجبوا.
الحياة إلى جوار صغار جدد مختلفة، صغار في ظلهم ستجد الأمل يتمثل فيهم وبهم، ستأتي البشرى تناديك من أبعد مكان ثم تحل بأرضك وإن ابتعدت بك السبل، تبعث بخيرها وتلقيه أمام نفس كانت تنتظر النهاية على عجل وبسرعة، وإذا بنور آت من بعيد يتلألأ يتجلى فيجهز على تلك الظلمة الحاضرة، فنعود مع الأحفاد صغارًا، أطفالًا نفضل اللعب ونعشق الثرثرة، نتحين الفرصة لمنحهم من محبتنا أطنانًا، محبة تفوق محبتنا لآبائهم وأمهاتهم، وهنا العجب!
عطايا السماء لا تتوقف ما دام لنا إله رحيم وهاب لا تنفد عطاياه، الأمل راح ينسج من خيوطه الذهبية دارًا بالحب مليئة، تعكس من بريقها علينا، نسبح في نورها ونتوجه لرب العالمين بالشكر، ما أجمل أن يمنحك الله هدية تقر بها عينك ويسعد بقربها قلبك، اللهم ارزق كل من يتمنى وينتظر.