وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ!!

16-4-2026 | 16:01

علمنا الصالحون أن نكره الخطأ، ولا نكره المُخطئ، نبغض المعصية، ونرحم العاصي، ننتقد القول، ونحترم القائل، فإنَّ مهمتَنا هي أن نقضي على المرض، لا على المريض..

مات رجلٌ، وهو يشرب الخمر، وفي ذات الوقت، أنهت امرأةٌ حياتها، لما علمت أنها حامل من علاقة محرّمة، وبالمصادفة، اجتمعت الجنازتان في مسجد واحد، فسأل بعض الناس الإمام، أبا حنيفة النعمان: أهما في الجنة، أم في النار؟!

كان بإمكان الإمام أن يجيب بنصوص الوعيد، الثابتة والراسخة، فشُرب الخمر كبيرة عظيمة، وقتل النفس كبيرة أعظم، توعّد الله صاحبيهما بالعذاب، لكنَّ أبا حنيفة أدرك أنه ليس مخولاً بالحكم على مصائر الخلق، ولا يملك مفاتيح الجنة والنار، ولم يجعل نفسه قاضيًا على النيات والخواتيم..

فقال قولته البليغة:
أقول فيهما، ما قال إبراهيم، عليه السلام: فَمَن تَبِعَنِی فَإِنَّهُۥ مِنِّیۖ وَمَنۡ عَصَانِی فَإِنَّكَ غَفُورࣱ رَّحِیمࣱ..
وأقول فيهما، ما قال عيسى، عليه السلام: إِن تُعَذِّبۡهُمۡ فَإِنَّهُمۡ عِبَادُكَۖ وَإِن تَغۡفِرۡ لَهُمۡ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِیزُ ٱلۡحَكِیمُ..
وأقول فيهما، ما قال نوح، عليه السلام: إِنۡ حِسَابُهُمۡ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّیۖ لَوۡ تَشۡعُرُونَ..

وهكذا رد الإمام الأمر إلى الله، ووقف عند حدود عبوديته، فلم يجزم بمصير، ولم يُغلق باب رحمة، ولم يتألَّه على الخلق.
 
إن أعظم ما يُبتلى به الناس اليوم، أن يتصدّر بعضهم للحكم على الآخرين، يوزّعون الجنة والنار بأهوائهم، ويجعلون من أنفسهم أوصياء على رحمة الله وفضله.

وهذا مسلكٌ بعيدٌ عن روح القرآن، وإن تزين صاحبه، بثياب التديّن.

انتقد ما شئت من الأفعال والأفكار، ولا تُقحم نفسك في مصائر الخلق، فذلك إلى الله وحده.
 
إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِ.. هو وحده مالك الجنة والنار، وهو أرحم بعباده من البشر جميعًا، يفعل ما يشاء بحكمةٍ وعدل، ونحن عبيده، يجب أن نقف عند حدودنا، ولا نتجاوز مقامنا.

وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ.. واحدة من أعظم الرسائل الإبداعية، لسيد الخلق، صلي الله عليه وسلم، وفيها ما فيها من عظيم الأدب مع النفس والناس، ومن لزوم دوام الاستغفار، والانشغال بالنفس وذنوبها، لا بالغير وأفعالهم.
 
هناك أمور قد تغير طريقة حكمنا، وآلية تفكيرنا، وتجعلنا في حيرة، حيرة تدفعنا دفعاً نحو التزام الأدب، والبكاء على خطيئتنا، فنواقصنا كثيرة، وعيوبنا كبيرة، ولولا رداءٌ من اللهِ، اسمُه السترُ، لانحنت أعناقنا من شدةِ الخجل، ولو كانت للذنُوب رائحة، لما جالسَنا أحدٌ، ولا جالسْنا أحداً!

كلمات البحث
الأكثر قراءة