16-4-2026 | 15:17

إن راودك هذا الشعور فانتبه وكن حذرًا، فهو إما أن يقودك إلى النجاح والتميز، أو يلقي بك في متاهة لا خروج منها إلا في مستشفى المجانين. أنا مختلف عن الآخرين، لدي شيء مميز.. إن كانت حقيقة فهنيئًا لك، وإن كانت وهمًا فمرحبًا بك بين من سبقوك إلى عنبر العقلاء. ملازمة هذا الشعور للشخص قد تتأسس على موهبة يراها في نفسه تميزه عن الآخرين بشهادة الجميع، في تلك الحالة لا مشكلة على الإطلاق، فهناك موهبة واضحة يراها الجميع ويشجعونها.. هو ليس موهومًا إذن.

المشكلة تبدأ عندما يكون الاختلاف والتميز عبارة عن شعور يراود الشخص دون أن يعرف موطن تميزه بالفعل، فيكون واجبًا عليه البحث عن تلك الميزة الخفية، فإما وجدها واجتهد في صقلها وإتقانها، وإما أدرك وأيقن أنه مجرد وهم عليه أن يفيق منه بسرعة، وإما أطلق لنفسه العنان في احتضان وهمه وتصديقه إلى أقصى حد ليكون ضيفًا على عنبر العقلاء.
 
قد يلازم هذا الشعور -أنك مختلف- الشخص منذ الصغر، عايشت من حدث معه ذلك حيث كان حظه أن يلتحق بمدرسة المتفوقين في المرحلة الإعدادية، وما أدراك ما هي؟ كلما حقق تفوقًا في إحدى المواد الدراسية اكتشف أن كل من حوله على نفس المستوى، وربما أفضل منه ألف مرة! في تلك المرحلة لم يعلمنا أساتذتنا أن الفرق كبير بين موهبة استذكار الدروس للنجاح والتفوق في الدراسة، وهي موهبة عظيمة دون شك، وبين موهبة النجاح في الحياة من خلال تنمية مواهب أخرى قد يتمتع بها الشخص، وهي أمور مهمة يجب شرحها للصغار.

الحكاية التي أعلم تفاصيلها جيدًا حدثت لهذا الزميل على مدى سنوات عمره. في المرحلة الابتدائية، كأي طفل عمره ست سنوات، لم يكن يعلم أو يفهم أو يدري شيئًا عن كلمة الموهبة ولا النجاح، ذهب إلى المدرسة كما يفعل الجميع، لكنه فوجئ بهم يدخلون إلى الفصل ويختارونه ليكون ضمن أعضاء جماعة المكتبة، ومنها إلى جماعة الصحافة، وفجأة الجماعة الصحية ليرتدي روبًا أبيض بدلًا من مريلة المدرسة التقليدية المملة. 

وبعد ذلك الجماعة الاجتماعية وجماعة التمثيل، ثم الشرطة المدرسية، ثم رئاسة الفصل! كل ذلك وهو يسير فرحًا باختيار الأساتذة له، وكل ما ذهب إليه عقله الصغير أنه شاطر! وإلا فلماذا اختاروه؟! في ذلك الوقت ونتيجة انتشار أفلام بروسلي، كان حلمنا جميعًا أن نصبح "بروسلي" فذهب ولعب الكاراتيه، لكنه اكتشف سريعًا أنه ليس أهلًا لهذا الأمر الذي يحتاج إلى روح قتالية هجومية كان يفتقدها بشدة.
  
ثم جاءت المرحلة الإعدادية، وزاد الفهم والإدراك لمعنى النجاح، واختفت أمامه بعض الأنشطة من على الساحة، لا توجد جماعة صحية ولا اجتماعية، لكنه وجد نفسه دون أن يشعر يتوجه إلى المكتبة ليكون عضوًا بارزًا فيها على مدى ثلاث سنوات، ثم جماعة الصحافة. 

لم يمر شهر واحد إلا وكان الفائز الأول في كل المسابقات التي تجريها المكتبة، لدرجة أنه بكى بكاءً شديدًا عندما فاز بالمركز الثاني في أحد الشهور. ومرة أخرى يبحث صديقنا عن نفسه في مجال الرياضة، وبدلًا من الألعاب القتالية التي تيقن أنه لا طاقة له بها، ذهب للعب الكرة الطائرة التي لم يتميز فيها هي الأخرى.

في المرحلة الثانوية تبدأ الأمور تتضح أكثر فأكثر. الجميع يفكر ويبحث عن مجال يتخصص فيه في المستقبل، ولابد من التركيز والعمل بجد. وكان لابد من الاختيار بين كل تلك الأنشطة التي وجد نفسه محاطًا بها ومنخرطًا فيها منذ طفولته؛ سواء بإرادته أو رغمًا عنه. ابتعدت عنه المكتبة والنشاط الصحفي رغم عشقه لهما، وحلت محلهما الموسيقى! لكن بحثه عن التميز الرياضى ظل قائمًا، ليقوده فيلم "النمر الأسود" إلى حلبة الملاكمة فيتلقى صديقنا "علقة موت" في دورى المدارس لتكون هي النهاية الحاسمة لبحثه عن التميز في المجال الرياضي.

وفي الجامعة فوجئ بنشاط جديد، الأسر، فأنشأ أسرة وتميز وأصبح علمًا في الكلية معروفًا للجميع سواء الزملاء أو الموظفين. وظل نشاطه الموسيقي قائمًا بل أصبح مصدرًا للدخل إلى جانب فريق التمثيل الذي التحق به بالصدفة، ليجد من يكتبون في الجرائد أنه من المواهب التي يمكن أن تصبح نجومًا في المستقبل! رغم ذلك لم أجده يندفع نحو هذا الطريق، ولا حتى الموسيقى التي اقتصرت علاقته بها على اعتبارها مصدرًا للدخل الذي سوف يحقق به حلمه في الدراسات العليا.
 
وبدأت الأمور تتضح عند اختياره لموضوع رسالة الدكتوراه، حين وجد من حوله يلهثون خلف أي موضوع يصلح لتسجيل الدكتوراه، دون التفات لأهمية الموضوع أو قدرته على فتح آفاق مستقبلية لكي يصبح صاحب تلك الدكتوراه متخصصًا ومطلوبًا في مجاله. وجد نفسه -على خلاف كل من حوله- لا يتردد في قضاء ثلاث سنوات من التفكير بحثًا عن موضوع جديد ومختلف. 

وهكذا بدأت الأمور تتضح أمامه، اكتشف أنه رغم عدم تميزه وتفوقه في المذاكرة مثل باقي زملائه إلا أن لديه تفوقًا آخر، موهبة التقاط الفكرة الجديدة والبحث فيها قدر استطاعته. ورضي بهذا الجزء من الموهبة وتميز فيه، ولم لا؟ أليس ذلك هو الأمر الأصعب، فطالما ظهرت الفكرة كان التنفيذ سهلًا.

ووجد صديقنا نفسه ينخرط في دور المدرب، أحبه واجتهد فيه ووجد فيه شيئًا يرضي نفسه، كان يقول دومًا للمتدربين إنه ليس أفضل من يمتلك المعرفة ليقدم لهم تلك التدريبات، لكنه سوف يبذل أقصى جهده واستطاعته لتوصيل ونقل كل المعرفة التي يملكها إليهم، من خلال أسلوب سهل مفهوم، أسلوب وجد الجميع يشيدون بتميزه، فعمل عليه باجتهاد لصقله وتطويره.

لكل شخص ميزة وموهبة، قد لا تكون في الدراسة، كم من عبقري شهد له أساتذته بالغباء في الدراسة ثم تحول إلى مخترع عظيم!

ابحث عن موهبتك وتميزك، اعمل عليها باجتهاد، طورها قدر استطاعتك واعلم أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة