كسر دائرة الديون

16-4-2026 | 14:51

في خضم النقاش الدائر حول مقترحات سداد ديون مصر، تبرز حقيقة أساسية لا يجوز تجاهلها، وهي أن الأزمة ليست في الدين ذاته، بل في الأسباب التي أدت إليه. مواجهة المشكلة بالتبرعات فقط لا يتجاوز كونه مسكنًا لعرض، وليس علاجًا للمرض.. الديون الخارجية التي تقدر بحوالي 165 مليار دولار تعود إلى استمرار الفجوة بين إيرادات الدولة واحتياجاتها الدولارية، والتي يتم علاجها بشكل أساسي عن طريق الاقتراض. أعلم أن السياحة، وقناة السويس، وتحويلات المصريين بالخارج تمثل مصادر مهمة للنقد الأجنبي، لكنها شديدة الحساسية للمتغيرات الإقليمية، والدولية، ومن ثم، فإن الركيزة الحقيقية للحل تكمن في توفير موارد دولارية مستقرة، ومستدامة عبر الإنتاج، والتصدير، وليس بالتدفقات المؤقتة. 

تحركات الدولة لاجتذاب الاستثمارات المباشرة لا تتعارض مع تبنيها نموذجًا استثماريًا يستهدف المصريين في الخارج ليس باعتبارهم مصدرًا للتبرعات، بل شركاء في بناء اقتصاد منتج يحقق لهم عوائد استثمارية جاذبة في مشروعات جديدة تسهم في نقلة صناعية تزيد الصادرات، وتخفض الواردات، وتوفر موارد دولارية بعيدًا عن بيع الأراضي، والوحدات السكنية، أو استيراد السيارات. 

المبادرة تتضمن قيام الدولة بتحديد مشروعات استثمارية في قطاعات ذات عوائد اقتصادية مشجعة مثل الطاقة الجديدة، واللوجستيات والنقل، والزراعة الحديثة، والتنمية السياحية، والتكنولوجيا والخدمات الرقمية بحيث يتضمن كل قطاع من خمسة إلى عشرة مشروعات يتم ترويجها للمصريين بالخارج بواسطة بنوك دولية، ومنصات رقمية وحملات في الخليج، وأوروبا بعرض تفصيلي لكل مشروع استثماري بالدولار سواء من خلال صندوق استثمار أو شركة قابضة يمتلك المصريون بالخارج أغلبية رأسمالها. 

إذا نجحت هذه المبادرة في جذب نحو 10% فقط من المصريين بالخارج الذين يتراوح عددهم من 10 إلى 12 مليون مصري بمتوسط مساهمة 5 آلاف دولار، فإنها يمكن أن توفر ما لا يقل عن 5 مليارات دولار في مرحلة أولى باستثمار مربح يعكس رؤية الدولة التنموية. الفكرة ليست تبرعًا، أو مساهمة وطنية، بل منصة استثمار دولارية تحقق عائدًا حقيقيًا للطرفين، وتشارك في بناء اقتصاد منتج يوفر فرص ربح حقيقية من خلال إدارة احترافية سواء مدير صندوق، أو مجلس إدارة يضم خبراء مصريين بالخارج، وشخصيات مستقلة بعيدًا عن الإدارة الحكومية، مع ضمان طرح أسهم المشروعات بالبورصة بعد تشغيلها، وبيع وشراء وثائق الاستثمار وفقًا لشكل المبادرة التي ستعلنها الدولة. 

هذا المقترح، وغيره يمكن أن يشكل طريق الخلاص من الديون، ويوفر موارد دولارية مستقرة، ومستدامة تحول دون العودة مرة أخرى إلى الاقتراض الخارجي، فبين التبرع والاستثمار، يكمن الفارق بين إطفاء الحريق، وبناء منظومة تمنع اشتعاله من جديد.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة