بعد قفز أسعار البترول إلى أرقام قياسية، ومع حاجة مصر -وكل دول العالم- إلى توفير كبير في استهلاك الطاقة، قفز في ذهني فجأة مشروع محطة «الظفرة» للطاقة الشمسية الكهروضوئية.
كنت قد زرته من قبل، على هامش «أسبوع أبوظبي للاستدامة». مشيت بين الألواح الشمسية كأني أمشي في حقل من الذهب الأزرق، وحضرت لقاءات مع المهندسين والخبراء الصينيين.. اشترطوا علينا أن نرتدي ملابس العمل كاملة.. حذاء الأمان، والخوذة، والصديري، والنظارة.
وعندما دخلت بين الألواح رأيتُ كيف يُنظَّف كل واحد منها، وكيف تُستخلص منه الكهرباء بهدوء، كأن الشمس تتنازل عن سرِّها طواعية.. المشروع يُعدُّ أكبر محطة مستقلة للطاقة الشمسية في موقع واحد على مستوى العالم، وينتج نحو 2 جيجاوات سنويًا.
استمعتُ إلى شروحات كثيرة ومهمة عن جدواه، لكنني لن أنسى أمرين اثنين.. أبدًا.. الأول: أن مدة تنفيذ المشروع لم تتجاوز عامين فقط.. يعني أن الفكرة تحولت إلى واقع ملموس في عامين، من ترسية العقد، وبدء الأعمال الإنشائية، حتى التشغيل التجاري الكامل في أواخر 2023.
ألا يدعونا هذا للتساؤل: متى أصبح الزمن مصباح علاء الدين؟ تفركه مرة واحدة.. فإذا به يبدأ في إنتاج الكهرباء! عامان فقط في حياة الأمم.. وتلمس الإنتاج الفعلي. أو، لو أردنا الدقة: عامان فقط.. ويصعقك التيار الكهربائي من الشمس.
والأمر الثاني: أن المحطة توفر لأبوظبي طاقة تكفي نحو 200 ألف منزل سنويًا.. وبقليل من البحث تعرف أنها توفر انبعاثات تعادل 470 ألف سيارة في العام.. أي: صحة أفضل، وجو أنقى، وحياة أقل كلفة.. لأن سعر الكيلووات أرخص مما هو في أي دولة أخرى في العالم.
يااه.. كل هذا في مشروع واحد – سواء كبر أو صغر. وفي زمن الحروب التي لا تنتهي في عالمنا العربي، تظل تكلفة الإنتاج ثابتة، لأنها مستمدة من الشمس. لا عقبات، ولا صعوبات في توفيرها. لا يفرق إغلاق مضيق هرمز، ولا إغلاق كل المضائق في العالم. بل لو زدنا الخط لاستقامته قلنا: حتى لو اختفى النفط كله أو نضب.. ستظل المحطة تعمل بنفس القوة، وبنفس السعر الثابت للمواطن.. وتظل قادرة على تشغيل خُمس منازل الإمارات تقريبًا.
رقم إعجازي.. كأنه يقول لنا: «انظروا إلى الشمس، فهي لا تطلب رشوة ولا تهدد بالحصار.. ولا تفرض غرامات تأخير».
ولأن الأرقام دائمًا تعبر عن الحقيقة، فها هي دولة منتجة للنفط بكميات كبيرة -الإمارات- اعتمدت على طاقة نظيفة، وحصلت عليها في أقل من عامين، بتكلفة أقل، وتستطيع أن تكرر التجربة في مدن أخرى غير الظفرة.
وهذا بالضبط ما تفعله مصر مع مجمع بنبان للطاقة الشمسية في أسوان، الذي يمتلك قدرة إنتاجية تقترب من الـ 2 جيجاوات (تحديدًا 1.8). وعندنا أيضًا مشاريع على الطريق: محطة نجع حمادي بقدرة 2 جيجاوات لتغذية مجمع الألومنيوم، ومجمع «أتوم» في السويس الذي يستهدف إنتاج خلايا وألواح شمسية بقدرة 2 جيجاوات سنويًا.
وسمعتُ بنفسي من الخبراء الإماراتيين أن طبيعة بلادهم لا تسمح بإنتاج طاقة الرياح.. بينما هذه الميزة موجودة عندنا.. وبالفعل، لدينا في مصر محطات رياح ضخمة، خاصة في البحر الأحمر: مجمع جبل الزيت، ورياح الزعفرانة، ورأس غارب.
الخلاصة.. كلنا يعرف أن الطاقة الشمسية هي الحل.. تكلفة أقل.. طاقة مستمرة.. لا يزيد سعرها على المواطن.. متوافرة طوال العام بفضل شمس ساطعة طوال العام وهبها الله لنا.
والسؤال الذي يظل يلاحقني.. لماذا ننتظر أن ينضب النفط حتى نلتفت إلى الشمس.. وهي التي كانت تنتظرنا منذ بدء الخليقة؟.. الشمس لا تطلب ثمنًا.. والزمن -إذا أحسنَّا استغلاله- قد يصبح أعظم مصباح في تاريخ البشرية.. أو قد يصبح مصباح علاء الدين لحل مشاكلنا.. وقد لا نكتفي فنأكل منها عيشًا وبقلاوة.