بعد أن وصلت مفاوضات إسلام آباد إلى طريق مسدود، وبعد أن فشلت كافة أطراف المتفاوضين في التوصل إلى بنود ترضي جميع الأطراف، وعلى إثرها تتوقف آلة الحرب في كافة نشاطاتها، وتضع أوزارها ويعود العالم شرقه وغربه، شماله وجنوبه، عربه وعجمه لسيرته الأولى، وتعود السفن إلى ما كانت عليه قبل الحرب.
نعم فشلت المفاوضات، وإن كنت أرى أنها فشلت (بضم الفاء وتشديد الشين)، بفعل فاعل، هذا الفاعل معلوم هويته ومعلومة نيته، نعم لا نقول الطرف الإيراني المعتدى عليه، ولا الطرف الأمريكي الذي أُقحم في معركة ظن أنها سهلة ستنتهي خلال أيام، أو على أرجح التقديرات خلال أسابيع، فلم يعمل حسابه لهذه المطحنة التي وجد نفسه بداخلها؛ مما أدى إلى انتقادات داخلية وخارجية تعرض لها رئيس أمريكا، حتى وقع عليه اللوم من كثير من دول العالم إن لم يكن كلها ممن تضرروا من غلق مضيق هرمز وارتفاع أسعار المحروقات، وتعطل حركة التجارة بين الشرق والغرب، حتى الكونجرس الأمريكي وجه انتقاداته شديدة اللهجة للرئيس الأمريكي، فضلا عن هيجان الشارع الأمريكي عليه في كافة الولايات الأمريكية.
نعم فشلت المفاوضات بفعل فاعل، والفاعل معلوم، إنه الكيان الصهيوني الذي بعدما لملم المتفاوضون أوراقهم راحوا يصلون لربهم أن هذه المفاوضات فشلت، فعلى الرغم من الخسائر الفادحة التي تكبدتها مستوطنات الكيان إلا إن قادته فرحوا بوصول المفاوضات إلى طريق مسدود، وذلك لأسباب مهمة منها، أن استمرار الحرب سيجعل نتنياهو قابعًا في السلطة ولن يتعرض لمساءلات قانونية عن قضايا فساد تطارده، ثم السبب الديني الأهم، إقامة الدولة المزعومة دولة إسرائيل من النيل إلى الفرات، إلا أن ثمة سببًا آخر، تدمير البنية التحتية الإيرانية وتدمير برنامجهم النووي أو على أضعف الإيمان، سرقة اليورانيوم المخصب، أما حجتهم أن يعم السلام في المنطقة من خلال تغيير النظام في إيران، فتلك حجة واهية، فالصهاينة لا يهمهم سلام ولا غيره، ما يهمهم مصلحتهم فقط لا غير، أما الجانب الأمريكي فيعلم جيدًا أنه سيعوض خسائره في هذه الحرب والجميع يعلم مصادر التعويض هذه.
لكن السؤال المهم، هل ستتدخل مصر لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وإيقاف آلة الحرب العجماء التي لا تبقي ولا تذر.
أتمنى أن تتقدم مصر بمقترح لإعادة المتفاوضين إلى طاولة المفاوضات مرة أخرى، لماذا؟ لأن مفاوضات وقف الحرب على غزة تعثرت مرات ومرات ولولا تدخل مصر ما تم وقف إطلاق النار، ولما وضعت الحرب أوزارها، والجميع يعلم أنه قد تم ذلك خلال مؤتمر السلام في شرم الشيخ، المهم تكون النوايا صادقة عند المتفاوضين لإنهاء هذه الأزمة.
والرأي عندي أن ثمة أسبابًا ستجعل مصر تتحرك من أجل التوصل إلى اتفاق يرضي جميع الأطراف.
أولها: موقع مصر الجيوسياسي؛ فمصر تعتبر رمانة ميزان العالم وهمزة الوصل بين الشرق والغرب، وجميع دول العالم تعلم ما تتمتع به مصر من ثقل سياسي على المستوى الإقليمي والدولي، ومن هذا المنطلق ستتحرك مصر، سواء طلب منها ذلك أو لم يُطلب، ستتحرك لوقف هذه الحرب التي يُعد الجميع فيها خاسرًا، ولا سيما دول العالم الثالث الدول النامية.
ثانيها: إنقاذ الاقتصاد العالمي من التدهور، ومن باب المصلحة، وهذا في عرف الدول واجب وحتمي، إنقاذ الاقتصاد المصري الذي بدأ في التعافي من هزات لا يطيقها، والتي لاحت بشائرها في الآفاق، رفع أسعار المحروقات، رفع أسعار السلع الغذائية، إغلاق المحلات لترشيد الاستهلاك، فإذا ما استمرت الحرب فما عسانا فاعلين.
ثالثها: إلجام بعض الأبواق التي تطعن في مصر، فإنه على الرغم مما ذكره الرئيس السيسي، من أن أمن دول الخليج هو أمن مصر، إلا أن تدخل مصر لإيقاف هذه الحرب سيلقم هذه الأبواق أحجارًا لإسكاتها.
رابعها: إيمان مصر الدائم بأن الحرب لا ينتج عنها إلا ويلات وخراب وهدم للبنية التحتية للدول، وأن السلام العالمي الذي يتحقق عن طريق السلام الإقليمي لن يكون عن طريق الحرب، وإيمانًا من مصر أن دول العالم العربي والإسلامي لها حق مشروع في الحياة الكريمة.
ومن هذا المنطلق أطالب مصر بأن تتحرك تحركًا فعليًا، قبل انتهاء هدنة الأسبوعين؛ لإيجاد حلول لهذه الأزمة ترضي جميع الأطراف، وتبطل من خلالها مخططات الإفشال.
* أستاذ الفلسفة الإسلامية بآداب العاصمة ورئيس القسم السابق