15-4-2026 | 14:00

إن "الأقنعة تسقط في زمن الحرب"، وهذه الحرب الدائرة الآن ليست استثناءً. ولقد كشفت الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية عن الوجوه الحقيقية لكل من الحلفاء والشركاء، وحدود البقاء على الحياد، بل وقناعات استقرت على مر الزمن، وجاءت الحرب لتختبر بقوة القناعة بأن الآخرين يمكنهم توفير الأمن، وأن هناك من يمكنه خوض حروب الآخرين.

ولقد كشفت الحرب عن أن إيران خاضت هذه الحرب وحيدة وبمفردها، ولم ينفعها الوكلاء بالمنطقة، دون حلفاء بالمعنى التقليدي، أو حماية من "ناتو" إقليمي؛ لأن المساعدة الروسية والصينية لم تتجاوز "الفيتو" ضد فتح المضيق بالقوة، وبعض الدعم الاستخباراتي الخفي، لتخرج إيران من هذه المواجهة وحيدة في خياراتها كما كانت في معاركها التي لم تُنسَ. ويؤكد والي نصر الباحث الأمريكي من أصول إيرانية، في مقال بعنوان "إيران ولحظة هرمز.. إلى أين تمضي بها الليالي؟": أنه لذلك، ورغم إحباط الخطط الأمريكية والإسرائيلية، يظل الداخل الإيراني يواجه وضعًا صعبًا للغاية.

وفي المقابل تقف دول الخليج كلها في موقف صعب للغاية، بعدما تبين أن الحرب لم تخلق "فجوة عدم ثقة" بين إيران ودول الخليج، بل ثمة محطات متعددة من التوتر والاحتكاك، ومن عمليات تدخل إيراني في الشئون الداخلية لدول الخليج.

ومن وجهة نظر الخليج، وهي محقة ومعقولة، أنها اضطرت لتعزيز تحالفاتها مع أمريكا والغرب وآخرين، وإقامة قواعد عسكرية غربية لمواجهة التهديد الإيراني.

وتؤكد النخبة بدول الخليج أن التهديد الإيراني لم يكن متوهمًا، بل تجسد في الإعلان صراحة أن طهران كانت تسعى لتصدير الثورة الإسلامية لدول الجوار، وقامت بتحريك الأقليات ضد نظم الحكم، واحتلال الجزر الإماراتية، والادعاء بأن هذه الدول المطلة على الخليج هي إيرانية بل البحرين محافظة إيرانية، والإصرار على تسمية الخليج "بالخليج الفارسي"، والإصرار على فرض رؤيتها الأحادية لفرض الأمن في المنطقة، واستبعاد مصر من أي ترتيبات، واستفزاز الدول العربية كلها بالتفاخر بأنها تسيطر على عواصم أربع دول عربية. ورغم اتفاقية الصلح بين طهران والرياض برعاية الصين، فقد ظلت العلاقات الإيرانية الخليجية محملة بالهواجس، والتعايش الصعب؛ نظرًا لأن معظم الخلافات ظلت موجودة، ولم يتم حلها.

وفي ظل هذا التاريخ الطويل من عدم الثقة، فإن دول الخليج لم تكن لتقبل بتعرضها لهجوم إيراني، وفي المقابل تجاهلت إيران إعلان الخليج وقوفه على الحياد، وجهود دوله لمنع الحرب، والوساطة لإيقافها.

ولقد تعرضت الكويت والبحرين والإمارات وقطر والسعودية، بل حتى سلطنة عمان، التي تحافظ عادة على الحياد، تعرضت لهجمات إيرانية. وفي ظل خسائر يومية لدول الخليج، التي تعتمد على النفط والغاز، تتجاوز المليار دولار يوميًا، وسعت الإمارات الأكثر تضررًا إلى حشد موقف حازم ضد إيران، لكن السعودية وجيرانها اختارت ضبط النفس وعدم التورط، وأجبرتها الأحداث على الدفاع عن نفسها.

وفي الوقت نفسه، فإن دول الخليج، التي أنفقت مليارات على صواريخ لاعتراض الطائرات الإيرانية، باتت تشعر بأن الولايات المتحدة قد تتخلى عنها، وتجبرها على بدء مراجعة شاملة لعملية تأمين شعبها وأرضها، وعلاقاتها مع دول الجوار.

ومن ناحية أخرى، دفعت الهجمات الإيرانية بعض النخب الخليجية لاعتبار إيران عدوًا مباشرًا، وتطالب واشنطن بحسم الصراع نهائيًا.

وكشفت المصادر العليمة أن السعودية والإمارات تتعرضان لضغوط قد تجبرهما على اختيار الدخول المباشر في الحرب، لتعويض الانسحاب المتوقع للقوات الأمريكية. ويقول هؤلاء إن دونالد ترامب لا يستطيع استمرار الحرب إلى أجل غير مسمى دون المخاطرة بتحمل خسائر، خاصة مع الانتخابات النصفية المقررة في نوفمبر.

إلا أن هذه الأزمة تكشف أن الدول الخليجية تسير على خط دقيق بين الحرب والوساطة، وبين الانحياز والاستقلالية، ومن ينجح في تجنب الحرب، والتمسك بخيار السلام قد يخرج أقوى. وهذا هو التحدي الكبير.

وفي خضم تصاعد التوترات الإقليمية، تتبلور مواقف جديدة تجاه التطبيع والصراع في المنطقة، وسط محاولات لإعادة تشكيل موازين القوى ودفع مسارات سياسية قد تؤثر على مستقبل القضية الفلسطينية.

وأكد وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي، خلال لقائه برؤساء تحرير صحف محلية في 11 مارس 2026 أن بلاده "لن تطبع مع إسرائيل ولن تنضم إلى مجلس السلام".

وشدد على أن الحرب الحالية هدفها إضعاف إيران وإعادة تشكيل المنطقة، والدفع بملف التطبيع، ومنع قيام دولة فلسطينية.

وهذا الموقف، بحسب موقع "إي إيه ديلي" الروسي، "يحدث تحولًا جذريًا في موازين القوى في الشرق الأوسط". ويرى الموقع أن البيانات تظهر أن "المستثمرين بدأوا في مغادرة الإمارات في ظل الضربات التي تتعرض لها".

وفي هذا السياق، تسعى العديد من الدول إلى ترسيخ صورتها كبيئة مستقرة وآمنة وقانونية لرؤوس الأموال، بعيدة عن التحالفات العسكرية، وتراهن على أن تصبح بوابة للاستثمارات القادمة من الدول التي تسعى لتفادي المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بسياسات الولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة، وهو ما يشمل عمليًا معظم دول العالم.

وفي سياق أوسع، رجح الموقع أن "تنضم دول أخرى في المنطقة إلى هذا التوجه، ويأتي في مقدمتها قطر"، وتوقع أن "تتخذ الدوحة خطوة مماثلة، خاصة في ظل الاستهداف المستمر لقاعدة العديد الأمريكية".

ووفقًا للموقع الروسي فقد أدى الهجوم على قاعدة العديد إلى تقويض صورة قطر كمركز مالي ولوجستي عالمي يتمتع بأعلى درجات الأمان.

ويرى الكثير من الخبراء أن معظم دول الخليج تشترك في استيائها من عجز الولايات المتحدة عن حمايتها، وفي رأي مغاير لمعظم القراءات التحليلية، رجح الموقع المقرب من الكرملين أن "تقوم عُمان وقطر والسعودية، بعد انتهاء الحرب، بإغلاق مجالاتها الجوية أمام الطيران الأمريكي، والنظر في مصير القواعد الأمريكية".

وترى بعض المصادر المطلعة أنه لن ترغب أي دولة في تعريض مصادر دخلها الأساسية، النفط والغاز والسياحة والاستثمارات، للخطر مجددًا. كما يتوقع الكثير من الخبراء أن تفشل المهمة الأساسية للولايات المتحدة في المنطقة، والمتمثلة في دمج إسرائيل عبر اتفاقيات أبراهام، حيث ستُجمد حتى تختفي، بل يذهب البعض إلى حد القول بتبخر الوعود بضخ استثمارات خليجية ضخمة في الاقتصاد الأمريكي.

ويقدر الخبراء الروس أن يترافق هذا الحياد الخليجي مع تقارب متزايد مع مجموعة بريكس، وإذا ما بدأت السعودية أو الإمارات في تسعير النفط باليوان أو بعملات أخرى، فإن ذلك سيشكل ضربة مباشرة لنظام البترودولار.

ويبقى أن ثمة تحولات كبرى تجري، وسوف يتجنب الخليج الإعلان عن هذه التحولات بشكل صريح، وأن تُنفذ تدريجيًا وبعيدًا عن الأضواء، ولكن بعد دراسة دقيقة من أجل مصالحه العليا. بالقطع لن يبقى الوضع على حاله بعد سقوط الأقنعة.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة