مجالس ولجان وتعيينات.. اتحادات وكُتَّاب وانتخابات.. هكذا جاءت العناوين الصحفية، لتعبَّر عن أحداث مهمة، سيطرت خلال الأيام الأخيرة على المشهد الثقافي كله. وبرغم الجدل المصاحب لأي حدث ثقافي، وانقسام ما يُسمى بـ«وسط المثقفين» حوله؛ إلا أن ما يلفت نظري دومًا هو الواقع.. الحقيقة.. واقع الثقافة وحقيقة ما يجري على الأرض.. فهل الثقافة حقًّا بخير؟!
وجدتُ ضالتي في كتاب. قدَّم مؤلفه لي إجابة عن السؤال. الكتاب بعنوان «معادلات مختلة».
والمؤلف هو الكاتب الصحفي والشاعر عبدالوهاب داود. أما الإجابة ففيها ما يحتمل الاتفاق والاختلاف معه، كشأن كل وجهة نظر يعبر عنها صاحبها، لكنك إزاء الأحداث والوقائع والمعلومات والرؤى المبنية عليها لا تملك إلا التأمل والتدبر بعمق، فضلًا عن الاعتراف للكاتب - بالطبع- بإخلاص المسعى ونبل الهدف.
بهذا يبدأ المؤلف كتابه من أول سطر: «منذ سنواتٍ غير قليلة، لا يمرُّ يومٌ دون حكايةٍ أو مشهد من حكايات الحركة الثقافية المصرية والعربية التي تُوجع القلب، وتؤذي النفس، خصوصًا مع ما تحمله من دلالات على بؤس حال نجوم ومشاهير المثقفين العرب، إن كانت لا تزال في بلادنا ثقافةٌ ومثقفون!».
ويستدرك سريعًا بأن المثقفين الحقيقيين موجودون، ومنهم مَن هم فاعلون، إلا أن أغلبهم بعيدٌ كل البعد عن الدخول في المعارك الصغيرة، فهؤلاء لا تُغريهم المكاسب اللحظية التافهة والمريبة، ويسترخصون الدخول أو حتى مجرد التفكير فيها، بخلاف أولئك الذين قصدَهم بحديثه الأول ممن يتم تصديرهم عبر الوسائط الحكومية والخاصة باعتبارهم قادة التنوير في العالم العربي، والنخبة المثقفة والفاعلة الوحيدة، بالجوائز مرةً، وبتسليط الأضواء والحضور المكثف في وسائل الإعلام مراتٍ ومرات، وعبر مواقع التواصل الاجتماعي وبرامج الكلام، وغيرها الكثير من أدوات الترويج و«الزَّن على الوِدَان».
ويمضي عبدالوهاب داود، كطبيبٍ يشخِّص أمراض «الوسط الثقافي» العديدة، منها مثلًا.. «تلك الحالة الغريبة التي تنتاب جموع الكاتبات والكُتَّاب»، الذين يحلمون جميعًا بالجوائز والشهرة والتكريم «من أي حد»، لكنهم كلما فاز أحدهم بجائزة، أو ظهرت صورته على غلاف مجلة ثقافية قد يزيد عدد كُتّابها على عدد قرائها؛ تجد أنهم: «لا أحد يفرح لتكريم أيِّ أحدٍ سواه».. لماذا؟!.. «لأنه لا أحد يريد أن تكون الكتابة - والإبداع- كل هَمِّه، وكل أحلامه، ومنجزه».. إنه الإبداع الذي يمكنه وحده أن يفتح كل الطرق إلى الجوائز والأغلفة والندوات وحفلات التتويج، كما يقول.
ويضع الكاتب يده على حالة أخرى يسميها «التسمم الثقافي والمعرفي»، متسائلًا: «مَن المسئول عن جهل العامة بكل هؤلاء الأحياء بيننا من كبار الكُتّاب؟!»، الذين هم ليسوا من أصحاب الأسماء المطروحة ليلًا ونهارًا في المحيط العام، الذين يعملون بجدٍّ وإبداع، لكنهم متوارون، لا يعرفهم كثيرون.. لماذا؟! من المسئول؟!
يجيب عبدالوهاب داود، محاولًا استرجاع ما للقصة من جذور، فيقول إنه كما تحجَّجَتْ السينما في فترات هبوطها بعبارة «الجمهور عايز كده»، انفصل الشعر والأدب والإبداع عمومًا عن جمهوره لسنوات، بدعوى الارتقاء بذائقة القراء، ودعاوى الحداثة وما بعدها، ليغرق النقد الأدبي والفكر والفلسفة في تنظيرات محيرة، فصلت الإبداع عن محيطه، فراجت مقولات «تشظي النص»، و«حقول الدلالة»، و«تثوير اللغة»، وغيرها من مقولات تبدو في ظاهرها جيدة وعميقة.
لكن - يضيف مستدركًا- عند الدخول إلى أرض الواقع تحولت هذه المقولات إلى سيف يقطع الطريق بين المبدع وناسه، إما بفعل أنصاف المبدعين الذين ينتجون نصوصهم بالشَّبَه، أو النقاد الذين يستنطقون تلك النصوص، ويُلبِسُونها ثيابًا ليست لها، ليضيع الإبداع الحقيقي وسط رُكام من الكتابات الشبيهة بالكتابة، والنقد الشبيه بالنقد؛ ما أدى إلى وقوع القارئ في متاهة كبيرة، اختلطت فيها الكتابات الجادة بالمتوسطة والرديئة. وهنا؛ يطرح المؤلف السؤال الكبير؛ سؤال التلقي، وهو: «القارئ أولًا أم أخيرًا؟!».
الشِّلل الأدبية، حالة أخرى من الحالات المرضية المستعصية، في أوساط المثقفين، ويسميها الكاتب بوضوح: «عصابات اقتسام المُخَلَّفات وتمجيد الفراغ»، قائلًا إنها اتخذت في السنوات الأخيرة مسارًا لا يمكن قبوله أو التسامح معه، بدأ في الظهور بقوة حين أصبحت الشِّلة أقرب إلى عصابات اقتسام الغنائم، والسطو على حقوق الآخرين، دون ذرةٍ من مراجعة أو شعور بالخطأ أو تأنيب، لا سيما مع تدشين ذلك العدد الكبير من الجوائز الأدبية العربية الكبيرة ماليًّا.
وحول هذه الجوائز، يوضح أنه لم يعد خافيًّا على أحد اقتصار أسماء الفائزين بها، بل المرشحين لها من البداية، على عدد شديد المحدودية من الكُتَّاب والناشرين والنقاد، ممن تربطهم صلات وثيقة ببعضهم البعض، وبالوسط الصحفي في عموم الدول العربية، سواء بالعمل المباشر، أو بالتعامل من الخارج، كمراسلين ومندوبين في بلادهم، أو بالعزومات واللقاءات الدورية في الندوات والمؤتمرات، في المقاهي وحفلات النميمة، أو بالعمل في المؤسسات الرسمية والهيئات الداعمة ماليًّا للعمل الثقافي والأدبي، وهو ما أفقد الثقافة العربية حضورها الدولي، ولو مجرد ضيف عابر بلا قيمة، فجعلها بلا ثِقَل، أو أهمية، أو تأثير!
«لا تندهش»، يقول لك عبدالوهاب دواد في كتابه «معادلات مختلة»، الذي أجدني هنا عاجزًا عن مغادرته كي أكتب لك بنفسي أو أضيف إليه رأيًا أو تحليلًا، فقد قال بجرأة ما يعرفه كثيرون، أو الكل تقريبًا، دون أن يفصحوا عنه؛ خوفًا أو طمعًا!
«لا تندهش إذا قلت لك إنني شخصيًّا شاهدتُ بعيني، واستمعت بأُذنيَّ إلى عشرات الحكاياتوالمواقف التي توجع القلب، وتؤذي النفس، وتدفع كل مقبل على اقتراف فعل القراءة والكتابة إلى مراجعة النفس، والتوقف طويلًا قبل الدخول في هذا الوسط الذي تملأ الأجواء حكاياته وقصصه وحروبه التافهة والصغيرة، والتي تصل في جموحها في كثير من الأحيان إلى إطلاق الشائعات والتشنيعات ضد كل من هُم خارج الشلة».
ولذلك؛ أراد الكاتب مراجعة وتفنيد؛ فرز وتصويب، مايظنه من «معادلات مختلة» في الشعر والرواية، والنشر والجوائز والترجمة، وفي الحياة الثقافية العربية والعالمية عمومًا، والمصرية على وجه الخصوص.
أخيرًا أقول: إنني بالعودة إلى حديث المجالس واللجان والاتحادات، وغيرها من هيئات ثقافية كبرى؛ لا أعرف حقًّا ما الدور المنتظر، أو ما يمكن أننطالب به هذه الجهات، لإصلاح ما في المعادلة منخلل. لا أعرف لأنني لم أفكر في الأمر.
للوهلة الأولى يبدو التغيير صعبًا، ويبدو الواقع مرتبطًا بعلاقات متشابكة ومصالح كبرى؛ «بيزنس كبير وأكل عيش».
لكن.. في كل الأحوال - بصدق- لا أرى نفسي مشغولًا كثيرًا بالمسألة، ولي في هذا أسبابي المريحة؛ فالكتابة في نظري مشروع فردي، هي ذاتها المعاناة والمتعة، الغاية والهدف، وهي وحدها المسعى والحل.. الحل دائمًا فردي.. لذا؛ طالما أنني أكتب؛ فالثقافة - عندي- بكل خير.. عزيزي الكاتب: اكتب فقط واسعد بالأمر.. أعزائي الكتاب الحقيقيين: عليكم أنفسكم.. لا يضركم مَن ضلَّ إذا اهتديتم.