الحرب وقناة السويس.. المأزق الإستراتيجي

14-4-2026 | 14:52

منذ اندلاع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران  في 28 فبراير الماضي، وجدت قناة السويس نفسها فجأة، في قلب معادلة لا تتحكم في كل أطرافها، نتيجة عزوف كثير من سفن الشحن عن المرور بها، وهو الأمر الذي أدى إلى فقدانها النسبة الأكبر من حصيلتها التي كانت تضخ الدماء من النقد الأجنبي في شرايين الموازنة العامة للدولة المصرية.

لم تُغلق القناة، ولم تتوقف الملاحة فيها، لكن ما حدث كان أكثر دقة وأشد خطورة، وهو اهتزاز الثقة فيها، فقد ارتفعت تكاليف التأمين للعبور من خلال ممرها المائي، وترددت بعض شركات الشحن عن استخدامها، مفضلة بدائل كانت تُعتبر من قبل هذه الحرب هامشية، ولم يكن كل ذلك نتيجة تهديد عسكري أو أمني مباشر داخل القناة، بل نتيجة اضطراب بيئتها الأوسع. 

وهنا تتجلى المفارقة التي تحكم هذه اللحظة التي يعيشها العالم اليوم، وهي أن الممر الملاحي قد يكون آمنًا، لكنه يُعامَل باعتباره محفوفًا بالمخاطر. ومن هذه النقطة تحديدًا، يمكن قراءة ما جرى لقناة السويس منذ اندلاع الحرب الجارية بين واشنطن وتل أبيب وطهران كتحول في طريقة التفكير المرتبطة بالمنظومة البحرية العالمية.

وفي مثل هذه اللحظات، لا يكفي أن نراقب الأحداث، بل يجب أن نعيد طرح الأسئلة. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس من يسيطر على البحر بشكل مباشر، بل هو من يملك تعريف الأمان فيه. وهذا التمييز، في ظاهره بسيط، لكنه في حقيقته يعكس انتقالًا عميقًا من عالم كانت فيه القوة تُمارَس، إلى عالم أصبحت فيه القوة تُعرَّف.

في الماضي، كان الأمان في الملاحة البحرية يعني غياب التهديد العسكري. أما اليوم، فقد أصبح الأمان مسألة أكثر تركيبًا، تتداخل فيها الإشارات والبيانات مع القرار، والخوارزميات مع الإدراك. فلم تعد السفينة تخشى فقط ما قد يصيبها، بل ما قد يربك فهمها لما يحدث حولها. وهنا، تنتقل المعركة من سطح البحر إلى فضاء غير مرئي، تُدار فيه الملاحة عبر ترددات، ويمكن فيه إعادة صياغة الواقع دون إطلاق رصاصة.

والأهم من ذلك أن هذا التحول لم يبقَ في حدوده التقنية، بل امتد إلى المجال المالي، حيث ظهرت قوة جديدة، صامتة لكنها حاسمة، وهي قوة التأمين. فلم تعد شركات التأمين في العواصم الأوروبية الكبرى مجرد وسيط فني، بل أصبحت لاعبًا رئيسيًا في تحديد كلفة المرور، وبالتالي في توجيه مسارات التجارة عبر السفن. بعبارة أخرى، أصبح من يحدد المخاطر وتكلفتها هو من يحدد هذه المسارات. وهنا، لا تُغلق الممرات البحرية بالقوة، بل تُعاد صياغتها بالحسابات.

وعند النظر إلى هذه التطورات في سياقها الأوسع، يتضح أن المنافسة بين قناة السويس والممرات البحرية الأخرى لم تعد بين طريق أقصر وآخر أطول، بل بين طريق يمكن التنبؤ به، وآخر مفتوح على المفاجآت. وهذا ما يفسر عودة طرق مثل رأس الرجاء الصالح، وممر القطب الشمالي إلى الواجهة في تفضيلات السفن في رحلاتها بين آسيا والخليج العربي من جهة وأوروبا من جهة أخرى، ليس لأنها أفضل، بل لأنها، في بعض اللحظات، تبدو أكثر استقرارًا. وهنا تظهر مفارقة لافتة تتمثل في أن العالم أصبح مستعدًا لدفع تكلفة أعلى، مقابل تقليل درجة القلق.

بالنسبة لمصر، فإن هذا التحول في المنظومة البحرية العالمية يضعها أمام معادلة دقيقة فيما يتعلق بقناة السويس. فهي تملك الجغرافيا، وهذه حقيقة ثابتة. لكن الجغرافيا، في النظام الجديد، لم تعد وحدها كافية؛ فالقناة لم تعد تُقاس فقط بما هي عليه، بل بما يُعتقد أنها عليه. وهنا يتجسد المأزق الإستراتيجي الذي يمكن تلخيصه في أن الدولة المصرية تمتلك الموقع، دون أن تمتلك كل ما يحدد قيمته في نظر الآخرين. فالقناة قد تظل مفتوحة، لكن يمكن إعادة تعريفها اقتصاديًا باعتبارها ممرًا عالي المخاطر. وفي هذه الحالة، لا يحتاج أحد إلى إغلاقها، بل يكفي أن تصبح كلفة استخدامها مرتفعة بما يكفي للعدول عن استخدامها.

وفي هذا الإطار، يكمن التحدي الحقيقي أمامنا في الانتقال من مفهوم "حماية قناة السويس" إلى مفهوم "إدارة القناة كنظام". أي أن تتحول هذه القناة الحيوية من ممر يحتاج إلى تأمين، إلى منصة تُنتج الأمان ذاته. وهذا التحول يعني ضرورة الاهتمام ليس فقط بالبعد العسكري، وإنما أيضًا بالسيطرة على البيانات والخوارزميات، وإعادة بناء منظومة الثقة، وتقليل الاعتماد على تقييمات المخاطر التي تُصاغ خارج الإقليم. فالمعركة لم تعد فقط في البحر، بل في الفضاء الرقمي، وفي مكاتب التأمين، وفي إدراك الفاعلين الدوليين لما هو آمن وما هو غير آمن.

ما أود التأكيد عليه هنا، هو أن الأمر لم يعد يتعلق بقناة السويس وحدها، بل أصبح برؤية موقعها في عالم يتغير. فلم تعد الجغرافيا وحدها تصنع النفوذ، ولا القوة العسكرية وحدها تضمن السيطرة. بل ما أصبح حاسمًا هو القدرة على إنتاج الثقة في بيئة تتآكل فيها اليقينيات. فكيف يمكن إنتاج هذه الثقة؟ وما هي أهم الآليات التنفيذية لتعزيز وضعية قناة السويس في عالم شديد الاضطراب؟ الإجابة عن هذه التساؤلات وغيرها سوف تكون في مقالات قادمة إن شاء الله.

* رئيس وحدة العلاقات الدولية وبرنامج دراسات الطاقة في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، وزميل كلية الدفاع الوطني في الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والإستراتيجية

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: