مذكرات رائد مصري في الصناعة

13-4-2026 | 12:38

في مكتبة الدكتور المهندس نادر رياض مقولة مأثورة في برواز للإمام علي بن أبي طالب: (ثلاث القليل منها كثير: النار والحقد والمرض). هكذا يكتب رجل الصناعة في مذكراته التي قدم لها كتابنا الكبار: د. مصطفى الفقي، حمدي رزق، وصبري غنيم، "محطات في حياة رجل الصناعة نادر رياض (المركز الإعلامي العربي ـ القاهرة 2024). كما ضم الكتاب فصلًا بكتابات خطها دبلوماسيون وإعلاميون استرعتهم حياة الرجل ومحطاته.

 في هذه المذكرات كشف عن غموض رأيت أنه يلف حياته، أو أننا لم نكن نعرفه، أو لا يعرفه كثيرون، وكنت دائمًا من قراء وداعمي كتابة السيرة الذاتية التي يخشى كثيرون من كتابتها، ظنًا أنها فقط تعري المستور من حياتهم الشخصية، وهو ظن ضعيف للغاية. وكنت قريبًا من العمل المضني الذي حققه الكاتب الكبير رجاء النقاش في مذكرات نجيب محفوظ، وفور صدورها (مركز الأهرام للترجمة والنشر 1998) باتت المرجع الأكثر تثبتًا لحياة أديبنا الشهير، رغم تضمنها صفحات من حياة شخصية وعائلية، لم يكن يعرفها أحد. وتلامست مع العمل الذي أنجزه الأديب الدكتور محمد المخزنجي بإصداره مذكرات الدكتور محمد غنيم "السعادة في مكان آخر" (دار الشروق 2018)، وقد ذكرني في مقدمة كتابه وبإلحاحي عليه لكي يصدرها من دون إبطاء.. وغير ذلك كثير.

أما مذكرات نادر رياض التي قرأتها أخيرًا أتت على ما هو شخصي وعلى ما هو موضوعي من دون أدنى شك. فقارئ السير الذاتية يقبل من كاتبها ما يريد أن يقوله، بوعي وتماسك ومن دون ادعاء، وبالتالي يكشف أو يواري أشياء، فهذا يخصه وحده. وما يحتفظ به في مكتبه من مقولة علي بن أبي طالب وحكمته في الفكر والقول، وهو المسيحي المتدين، فإنها تقف على أرضية الأفكار المضيئة التي صبغت الحكمة العربية، إسلامية كانت أو مسيحية. كان نادر شديد الامتنان لأمرين طوال صفحات كتابه، العائلة والوطن. فقد قدمت له عائلته الضاربة الجذور في العراقة تعليمًا ممتازًا أهله للحصول على شهادته العليا في هندسة الطيران من جامعة القاهرة، والهندسة الصناعية من جامعة آخن بألمانيا. أما الوطن، والذي بتنوعه وتسامحه، فقد أعطى له العمق الأخلاقي والحضاري الذي عاش يستدعيه ولا يزال.

فيما أرجع لوالده مهندس السكك الحديدية الذي تعلم في جامعة فيينا، الرؤى والمنظور المتفهم لفلسفة الديانات الأخرى، كما أن الوالد كان هناك معه في ألمانيا، وهو شاب غض الإهاب. كان سفر د. رياض اللحظة الفارقة التي غيرت حياته، فقد سافر للعلاج، ودائمًا ما يذكر أباه كمعلم أول ومرشد لحياته، أو كما كتب بصيغ مختلفة: "أبي أضاء شمعة فكرية ألهبت حماسي"، وبعد دراسة دامت عامًا، عاد ليدرس في هندسة القاهرة.

كان د. رياض في اعتصام كلية الهندسة بعد النكسة، والذي دخل أسبوعه الثالث وسط معاناة كبيرة لعدم توافر سبل الإعاشة داخل الكلية، خفف من وطأتها تعاطف حراس حديقة حيوان الجيزة المجاورة. وانفض الاعتصام بدعوة من رئيس مجلس الأمة أنور السادات للحضور إلى المجلس، أحضر لهم سندويتشات ـ من ميزانية المجلس ـ وسمعهم، وأكد أن الحرب قادمة بعد بناء الجيش القوي، مع وعد بالإفراج عن الطلبة المعتقلين. 

"ووصلنا لنهاية هادفة لاعتصام الطلبة". في تلك الأجواء تخرج رياض، وألحق بالعمل بمصنع إنتاج ثلاجات، فثار على إدارة المصنع؛ لأنه أراد أن يعمل في هندسة الطائرات والصواريخ، وازدادت قناعة والده بأن ثورته هذه لا مجال لها، وأقنعه بالعودة إلى ألمانيا لاستكمال دراسته. وهو ما كان.

الرحلة في ألمانيا طويلة ومليئة بالإنجازات.. لقد تدرب مع أكبر شركة إطفاء في العالم، وعمل معها، منذ بداية السبعينيات، وأقنعها بالاستثمار في مصر، وأسس معها شراكة، تطورت، ثم صار مالكًا للشركة الأم في ألمانيا، في معجزة لا تتكرر كثيرًا إلا في الأحلام. لكن المثير في المذكرات هو الدور الذي لعبه د. رياض في حرب أكتوبر 1973، حيث استطاع مد القوات المسلحة بأجهزة إطفاء من إنتاجه، بمقاييس كفاءة عالية، أهمها القدرة على إطفاء حرائق النابالم. 

لم تتوقف التحديات في أي وقت طوال رحلة إدارية وصناعية على مدى خمسين عامًا، واستمر الرجل في طريقه، يفك عقدًا، ويطرح حلولًا، ويؤمن عمله، ويتفوق على منافسيه، حتى كانت المرحلة الأكثر أهمية في مشروعه، فقد استحوذ على الشركة الألمانية الأم، بعد أن كان طالبًا يتدرب بها في فصل الصيف.

 وبعد الاستحواذ نعود إلى مقولاته التي تمثل أعمدة فكره، والمؤثر هنا جملة من المخترع الأمريكي توماس ألفا إديسون: "الأهم من أن تتقدم بسرعة هو أن تتقدم في الاتجاه الصحيح"، ما جعله يوسع من قاعدته الصناعية التي باتت كبيرة، ومشرفة كتجربة ونموذج مصري فريد.

وبينما يعد كثيرون، وأنا منهم، "الصناعة والدخول من بواباتها المتتالية والتي يصعب حصر عددها أو رؤية آخرها" ـ بتعبير د. رياض ـ هي أحد أهم ما يجب أن نهتم به في المرحلة الراهنة، لنتمكن من ردم فجوة الاستيراد، والسعي إلى التصدير الواسع، ورجال الصناعة في مصر من نوعية د. رياض كثيرون، ويجب العمل على استثمارهم ودفعهم. 

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة