يُعدّ “المشترك العام” أحد أهم المفاهيم المؤسسة لفكرة الدولة الحديثة والمجتمع المتماسك. فهو لا يُختزل في اللغة أو الجغرافيا أو التاريخ المشترك فحسب، بل يتجاوز ذلك ليشمل منظومة القيم الجامعة، والوعي الجمعي، والإحساس بالمصير الواحد. وعندما يضعف هذا المشترك أو يتراجع حضوره، تبدأ الروابط الاجتماعية في التفتت التدريجي، ويتحول الانتماء من حالة جامعة إلى انتماءات جزئية متنافسة، ما ينعكس مباشرةً على مفهوم المواطنة واستقرار المجال العام.
ماذا يفعل غياب المشترك العام؟!
حين نطرح سؤال “المشترك العام”، فنحن في الحقيقة لا نبحث عن مفهوم تجريدي معزول عن الواقع، بل نحاول الاقتراب من ذلك الخيط الخفي الذي يربط أفراد المجتمع داخل إطار واحد، مهما تعددت أصولهم أو تنوعت خلفياتهم أو اختلفت مصالحهم. إنه ذلك النسيج غير المرئي الذي يمنح فكرة “الوطن” معناها الحقيقي، ويحوّل الجغرافيا من مجرد مساحة إلى كيان حيّ يقوم على الوعي والانتماء والتكامل.
في بعض البيئات التي مرت بتحولات تاريخية معقدة، لم تتشكل فكرة المشترك العام بصورة راسخة منذ البداية، أو أنها تعرضت لاهتزازات متتابعة جعلتها تفقد قدرتها على أداء وظيفتها الجامعة. فبدل أن تنصهر التكوينات الاجتماعية المختلفة داخل هوية وطنية جامعة، بقيت هذه التكوينات محتفظة بمرجعياتها الأولى، سواء كانت ثقافية أو اجتماعية أو لغوية أو حتى ذهنية، وهو ما جعل الروابط الجامعة أضعف من أن تؤسس شعورًا متماسكًا بالانتماء.
ومع مرور الوقت، يصبح الانتماء في هذه الحالات متعدد الاتجاهات، غير منضبط داخل مركز واحد. فالفرد قد يجد نفسه منجذبًا إلى أكثر من دائرة: دائرة الأصل، أو الجماعة، أو المصلحة، أو الخارج، في حين يتراجع حضور “الوطن” بوصفه مرجعية عليا مشتركة. وهنا يبدأ التآكل البطيء لفكرة المشترك العام، ليس عبر الانهيار المفاجئ، بل عبر التراجع التدريجي لصالح بدائل جزئية أكثر حضورًا وتأثيرًا.
إن أخطر ما يترتب على هذا الغياب هو إعادة تشكيل العلاقة بين الإنسان ومجتمعه. فبدل أن تكون العلاقة قائمة على فكرة المواطنة باعتبارها عقدًا جامعًا، تصبح العلاقة أقرب إلى شبكات متجاورة من الولاءات المتفرقة. وعند هذه النقطة، يفقد مفهوم “المصلحة العامة” قدرته على فرض نفسه كمرجعية عليا، ويحل مكانه منطق المصالح الصغيرة أو الانتماءات الضيقة، التي قد تتقاطع أحيانًا لكنها لا تذوب في إطار واحد.
وتتأثر المواطنة هنا بشكل مباشر. فالمواطنة ليست إجراءً قانونيًا أو انتماءً إداريًا فحسب، بل هي حالة شعورية وأخلاقية تعكس استعداد الفرد للمشاركة في بناء المجال العام والدفاع عنه. وحين يضعف الإحساس بالمشترك، تتحول المواطنة إلى إطار شكلي، بينما يتراجع الالتزام الفعلي تجاه المجتمع، لصالح الأولويات الفردية أو الجماعية المحدودة.
كما أن هذا الغياب ينعكس على الوعي الجمعي، إذ يصبح الوعي مجزأً وغير متماسك. فلا تتشكل رواية واحدة جامعة حول التاريخ أو الهوية أو المستقبل، بل تتعدد القراءات والتفسيرات، أحيانًا بشكل متوازي وأحيانًا بشكل متصادم. هذا التعدد قد يكون عنصر ثراء في حد ذاته، لكنه يتحول إلى مصدر اضطراب حين يغيب الإطار الذي ينظم هذا التنوع ويحوّله إلى قوة تراكمية بدل أن يبقيه في حالة تنافر دائم.
وفي ظل هذا التفكك، تظهر قابلية أعلى للتأثر بالعوامل الخارجية. فحين تضعف الروابط الداخلية الجامعة، يصبح المجال العام أكثر انفتاحًا أمام التأثيرات القادمة من الخارج، سواء على مستوى الأفكار أو التوجهات أو حتى القرارات. ومع الوقت، قد تجد بعض القوى الخارجية مساحة للتأثير غير المباشر عبر استثمار حالة الانقسام أو ضعف المرجعية المشتركة، مما يزيد من تعقيد المشهد الداخلي.
لكن من المهم عدم النظر إلى هذه الحالة بوصفها قدرًا نهائيًا أو بنية مغلقة لا يمكن تغييرها. فالمجتمعات ليست كيانات جامدة، بل هي في حالة تشكل دائم، تتأثر بالتجارب التاريخية، وبالتحولات الثقافية، وبقدرة مؤسساتها على إعادة إنتاج الوعي العام. حتى في أكثر السياقات تعقيدًا، يمكن رصد لحظات يُعاد فيها اكتشاف المشترك، ولو بصورة جزئية أو مؤقتة.
إن بناء المشترك العام يحتاج إلى وعي مختلف بطبيعة التنوع. فالتنوع ليس نقيضًا للوحدة، بل يمكن أن يكون مصدر قوة إذا ما تم احتواؤه داخل إطار جامع يحدد الحقوق والواجبات ويضمن العدالة بين جميع المكونات. المشكلة لا تكمن في الاختلاف ذاته، بل في غياب العقد الذي ينظم هذا الاختلاف ويمنحه معنى مشتركًا.
ومن هنا تأتي أهمية التعليم والثقافة والمؤسسات الفكرية في إعادة صياغة هذا الوعي. فالمجال العام لا يُبنى بالقوانين وحدها، بل يُبنى أيضًا عبر الخطاب الثقافي، والمناهج التعليمية، وطريقة تقديم التاريخ، وصياغة فكرة “الآخر” داخل المجتمع. كل هذه العناصر تسهم في تشكيل صورة الوطن في ذهن الفرد، إما بوصفه إطارًا جامعًا، أو ساحة متنازعة من الهويات المتفرقة.
كما أن استعادة المشترك العام تتطلب إعادة الاعتبار لفكرة المسئولية الجماعية. فحين يشعر الفرد أن ما يحدث في المجال العام يعنيه بشكل مباشر، وأنه شريك في صنعه لا مجرد متلقٍ له، يبدأ تدريجيًا في إعادة بناء علاقته بالمجتمع على أسس أكثر توازنًا. هنا فقط تتحول المواطنة من مفهوم نظري إلى ممارسة يومية.
وختامًا يمكننا القول إن غياب المشترك العام لا يؤدي فقط إلى ضعف الانتماء، بل إلى إعادة تشكيل البنية الذهنية للمجتمع نفسه. حيث يصبح الداخل أقل تماسكًا، وأكثر عرضة للتشظي، بينما يزداد حضور الخارج في الوعي والقرار والتصور. ومع ذلك، فإن إمكانية استعادة هذا المشترك تظل قائمة، بشرط إدراك أن بناءه عملية تراكمية طويلة، تبدأ من الوعي، ولا تنتهي إلا حين يتحول الانتماء إلى ممارسة حقيقية تُترجم في السلوك، وفي اللغة، وفي الشعور الجمعي بالمسئولية تجاه مصير واحد مشترك.