من أجل لبنان.. خليل حاوي.. الخلود انتحارًا

12-4-2026 | 15:41

عديدة هي الصدمات التاريخية التي زلزلت المثقفين شرقًا وغربًا من كتاب وشعراء ومفكرين وعلماء، وأحدثت نوعًا من التواجه المرير بين مسارات الفكر ولا معقولية الواقع، تلك التي يفرضها الغاصب المستعمر بكل ما لديه من شراسة ووحشية وانفلات وفوضوية في محاولة دؤوبة لانتهاك حقوق الشعوب والأنظمة وإهدار الأعراف الإنسانية والإطاحة بمواثيق القانون الدولي ونسف المغزى الأخلاقي للوجود.

وقد تبدت آثار ذلك كثيرًا في تغيير ملامح الجغرافيا وتشويه صفحات التاريخ والاقتراب من طمس الهويات، وذلك هو الذي يحرك بذاته طاقات الغضب واستنهاض الإرادة لدى المقهور شعوبًا وأفرادًا، لكنه يسجل في ذات الآن مدى تصاعد مؤشر الظلم الإنساني المستهدف دائمًا إقرار وثيقة الخضوع والتركيع والاستعباد والإذلال والسحق والإبادة، وتلك هي إحدى المشاهد الثابتة لأنماط الحركات الاستعمارية الرامية لإحلال طوفان الظلام أملاً في توسيع خارطة المطامع في الأرض والثروة وإشباعًا للنزعات الشريرة تلك المتأصلة في الذات المريضة!!

ولعل أحداث العدوان الصهيوني الوحشي على لبنان إنما يستدعي في الخيال العربي استحضار واقعة أو فاجعة الكاتب والشاعر الفذ "خليل حاوي" الذي سكنته الغيرة القومية على وطنه وملكه ذلك الشعور المقدس تجاه شعبه اللبناني واستأثرت بفكره قيم الحرية في تجلياتها المتعددة حين استبدت به مشاعر الكراهية والاحتقار تجاه العدوان الصهيوني الغاشم على تراثه وتاريخه.

وعلى ذلك فإذا كانت الحياة ملهاة بالنسبة للإنسان الذي يفكر فإنها مأساة بالنسبة للإنسان الذي يشعر كما قال "أندريه مالرو"، وبالطبع فقد اجتمعت المأساة والملهاة في كينونة "خليل حاوي" إذ كان الوطن لديه هو كعبة الروح والأمل السرمدي والحلم الفتان والأنشودة الخالدة والوعد الأبدي وبالطبع أيضًا كان احتمال اللامعقولات أو احتمال الجنون أو حتى الموت أرحم كثيرًا من أن تحتمل نفسه صدمة الاجتياح ويعيش وطنه تحت وطأة المحتل.

لذا لم يستطع أن يعصم نفسه من ويلات الحسرة والكآبة والألم إذ تجسدت في عقله كل معاني الإحباط والتشاؤم وانحسر أمامه أفق الحياة جراء وعيه المشتعل بمستقبل بلاده، فكان انتحاره هو أهون النتائج في التواجه مع تلك الدرامية الوطنية وقد مثل ذلك خسارة فادحة للحركة الثقافية والفكرية في الساحة العربية. وإذا كان التاريخ السياسي قد سجل فاجعة انتحار "حاوي" فإنه قد سجل أيضًا عن نفس الحدث واقعة أخرى تماثلها في البشاعة ولكن على مستوى مفكر أوروبي هو "جارودي" الذي خط بيانه الشهير (مجازر لبنان) أثناء الحرب الإسرائيلية على لبنان عام 1984 وتلقى صفعة كبرى وعقوبة رادعة حين أعلن أن النصوص التوراتية أو اضطهاد "هتلر" لليهود لا يمكن بحال أن يصبح مبررًا لاغتصاب الأراضي الفلسطينية أو غيرها واقتلاع سكانها وقمعهم بتلك الصورة الوحشية والدموية.

ذلك فضلاً عن تلك الكارثة التي مني بها إثر صدور كتابه الخطير (الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية) والذي أقام الدنيا وأقعدها وزلزل الكيان الصهيوني الذي انبرى لتقديمه للمحاكمة ثالثة، ذلك أنه قد فضح ركائز تلك السياسة القائمة على مجموعة من الأساطير التي لا تمت للحقائق التاريخية بأي صلة أو دليل أو برهان أو قرينة. وكل ذلك كان يتلاقى وجدانيًا مع قصائده النضالية العصماء التي تحمل الهم الوطني والقومي الذي انحصر بين تلافيف مأساة الإنسان العربي وكيفية الانبعاث ومحو الشعور بالعار، لذا فدائمًا ما أكد النقاد أنه ليس في تاريخ الشعر العربي المعاصر من تجربة التحمت ببنية الشرق العربي ومشروعه الثقافي وتقاطعه البنيوي مع المشروع الثقافي الغربي كتجربة "خليل حاوي".

بهذا يظل "خليل حاوي" هو المثقف العضوي الملتحم بقضايا وطنه وشعبه وأمته والذي حقق اندماجًا ذاتيًا نفسًا وعقلاً وروحًا مع كينونة هذا الوطن، لذا فقد انطبعت لديه معانٍ رائدة عن الوطنية الحقة والشرف القومي. لكن.. ماذا يعني انتحار "خليل حاوي" غير الرفض المطلق الذي كان ثمنه حياته ليمثل بذلك خطًا فاصلاً بين القول والفعل... ذلك الفعل الذي يظل صوته يدوي في آذان الأجيال ويحرك أذهانهم نحو الفضيلة القومية ويمثل درسًا بليغًا لكافة الحركات النضالية في العالم العربي، ذلك بعد أن أفاض بالكلمة شعرًا ونثرًا وملأ الدنيا وشغل الناس لكنها هو التاريخ يستعيد دورته بنفس المشهد الذي اقشعر له بدن "حاوي" ذلك أن أمته العربية تغوص في صمت مطبق؛ لأنها فقدت فاعلية الوجود وصارت طيرًا مستباحًا استباحه العدو الصهيوني.

والآن.. لعل المشهد المروع في اجتياح لبنان قد عايشه "خليل حاوي" حلمًا وحقيقة قبل أربعة عقود حين خط لحبيبته العراقية "ديزي الأمير" سطورًا يملأها الألم والحسرة والرعب والقلق والذهول قائلاً: قد أستيقظ في أي صباح لأقرأ في الصحف أن لبنان قد تبخر وحذف من الخريطة وأن أهلي لاجئون أو أنهم قتلى على التراب أو في طريقهم إلى التشرد الأبدي... هذا هو الخوف الذي يحتل أفكاري ويمنعني من النوم وأحيانًا ما يتمثل في صورة مرعبة فأستيقظ مذعورًا. تلك هي الكلمات التي اعتصرت ذاته وأنهكت جسده وشتت قواه حتى خارت لكنه تفوه بحقيقة تجددت بعد أربعة عقود بل إنه قد أكد وقبيل انتحاره بكلمات أخرى أكثر مرارة قائلاً: (إن عالمنا العربي مثل فحمة سوداء من المحيط إلى الخليج).

وعلى ذلك يكون التساؤل الملح هو.. لماذا لا يستعيد الخيال السياسي العربي تلك البطولات والمآثر والأمجاد ليستعيد ذاته القوية لتكون بديلاً موضوعيًا عن ذاته المهيضة؟ ومتى يستطيع ذلك الخيال أن ينسف من ذاته مراتع اليأس بحثًا عن مكامن القوة ليصبح المستحيل هو الممكن؟ وكيف يستطيع تحجيم المارد إلى قزم؟. إن الحقوق المسلوبة لا تسترد إلا حين تهزمها الكلمة وتهزمها القوة وتهزمها الثقة وانتصار الذات والإيمان المطلق بالحق وتلك هي القوة الكامنة التي لابد أن توظف استراتيجيًا وسياسيًا وثقافيًا واقتصاديًا وعندئذ تصبح النتائج حتمية وليست احتمالية تتقوقع بين نعم ولا.

كلمات البحث
الأكثر قراءة