قضية الديون في الموازنة الجديدة

12-4-2026 | 14:08

لا خلاف على أن ملف الدين بات المعضلة الأساسية التي تواجه الاقتصاد المصري، فلا تنمية بالمعنى المنشود دون حل لهذه القضية، ولا تقدم بالمفهوم المتعارف عليه بلا التخلص النهائي من هذه الديون التي تعوق برامج التنمية، وتعرقل خطط التقدم، فلا يعقل أن تكون نسبة 70% أو يزيد من نفقات الموازنة يذهب لسداد فوائد تلك الديون، بينما النسبة القليلة المتبقية تذهب لتمويل المشروعات التنموية والخدمية؛ لذا أخذت الحكومة على عاتقها أن تولي هذا الملف أولوية قصوى؛ لإيجاد حلول غير تقليدية لهذه القضية الخطيرة، ولعل ما أعلنه وزير المالية أحمد كوجك حول خطة الحكومة في التعاطي مع قضية الدين في الموازنة الجديدة للدولة، والتي يبدأ تنفيذها في يوليو المقبل يعد تحركًا جادًا ومدروسًا نحو إيجاد حلول حاسمة لملف الدين، عبر تعهدات حكومية واضحة والتزامات محددة لإدارة ملف الدين، بمشاركة إيجابية من مختلف الأجهزة. 

الدولة تستهدف خفض معدل الدين للناتج المحلي الإجمالي إلى 78% بحلول 2027، وبنحو 2 مليار دولار سنويًا، وهو في الحقيقة مستهدف إذا تحقق يمثل إنجازًا يستحق التقدير، وسيفتح الطريق أمام تنمية حقيقية تعود بالنفع على المواطن الذي تحمل أعباء الإصلاح الاقتصادي، وآن له أن يجني ثمار صبره؛ إذ إنه وفقًا لخطة خفض للدين سوف تتراجع نسبة خدمة الدين التي أشرت إليها في الموازنة إلى 35% فقط، وهو ما يسمح للدولة بزيادة المخصصات للمشروعات والبرامج التي تعود بالنفع على المواطن. 

ومن أبرز نقاط خطة الدولة في الموازنة الجديدة التي تعكس جدية الحكومة في هذا الملف توجيه أي إيرادات استثنائية لخفض حجم ونسبة المديونية الحكومية للناتج المحلي، وهنا يشار إلى حصيلة إيرادات متوقعة من تدفقات استثمارية كبرى من عرب وأجانب في قطاعات السياحة والصناعة، على غرار صفقات "رأس الحكمة" و"علم الروم"، وهي كلها تدخل في بند الإيرادات الاستثنائية التي يمكن أن تساهم في خفض حجم الديون، ومنح الموازنة العامة للدولة فرصة أكبر لإعادة توجيه التمويلات اللازمة لتنفيذ مشروعات تحقق جودة الحياة للمواطنين.

 يقينًا، أن حل مشكلة الدين سينقل الاقتصاد المصري نقلة نوعية، ويفتح المجال أمام تحقيق قفزات تنموية كبرى، بعد أن أثبتت التحديات والتطورات الجيوسياسية، التي تمر بها المنطقة منذ أكثر من عامين وقبلها تداعيات وباء كورونا، أن الاقتصاد المصري يمتلك القدرات التي تؤهله إلى امتصاص الصدمات، والخروج منها ربما أقوى من ذي قبل، وهو ما يشجع المستثمرين على ضخ استثماراتهم في مشروعات تحقق أعلى ربحية في المنطقة، وبالتالي تحقيق هدف رفع معدل النمو إلى 5.4% ما سينعكس على أحوال المواطنين. 

حل مشكلة الدين سيساهم أيضًا في دعم الثقة في الاقتصاد المصري، وتحصينه من تداعيات أي تطورات على غرار ما شهدناه مؤخرًا في ضوء ارتفاع تكلفة التأمين على الديون السيادية لمصر نحو 30 نقطة في العقود أجل 5 سنوات لتسجل 4.37%، وتكلفة التأمين على الديون السيادية هي المبلغ الذي يدفعه المستثمر سنويًا مقابل التأمين على ديون دولة في حالة تعثرها، لكن الحقيقة الدقيقة أن الدين المصري في مستويات آمنة بشهادة كل المؤسسات الدولية، رغم أن التأمين عليه سجل زيادة بنحو 1.2% عما كانت عليه قبل بدء الحرب على إيران، حينما تراجعت دون 3%، ورغم ذلك نجحت مصر في إصدار سند مكمل لسندات قائمة بقيمة 540 مليون دولار لأجل 8 سنوات بعائد 8.25%، ما يؤكد الثقة في الاقتصاد المصري.

المؤكد، أن الموازنة الجديدة للدولة التي تستهدف إيرادات 4 تريليونات بنسبة نمو 27%، ومصروفات بنحو 5.1 تريليون جنيه بنسبة زيادة 13.2% ستكون بداية انطلاقة تنموية شاملة، رغم التحديات التي فرضتها التطورات الجيوسياسية في المنطقة؛ حيث تؤكد كل الدراسات أن الاقتصاد المصري يمتلك مقومات كبيرة وعناصر قوة تؤهله لاستقطاب رؤوس الأموال في مشروعات تنموية كبرى، بعد أن أكدت الأحداث الجارية أن مصر تعد الدولة ربما الوحيدة في المنطقة التي تتمتع بالاستقرار والأمن؛ ما يجعلها ملاذًا لرؤوس الأموال العربية والأجنبية. 

..القادم بمشيئة الله يحمل الخير الوفير لهذا البلد الآمن.

[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة