ضبط الأسعار... مسئولية من؟!

12-4-2026 | 12:16

جولة في سوق العبور وكشف فجوة الأسعار

ما بين هدنة التقاط الأنفاس جراء الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، تلك الحرب الحالية التي أدت إلى اضطراب سلاسل الإمدادات العالمية، وفي ظل السيناريوهات المعقدة والضغوط المتصاعدة على اقتصاديات وسياسات الدول، قادني أحد الأصدقاء إلى سوق العبور؛ أحد أكبر الأسواق في مصر. وخلال جولتي التي ربما جاءت بعد فترة وجيزة من زيارة الدكتور المهندس مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، لنفس السوق، لاحظت خيرًا كثيرًا في هذه البلد الآمن أهلها، ولكن ما وقفت أمامه أن هناك تفاوتًا كبيرًا في الأسعار ما بين سوق الجملة وما يعرضه تجار التجزئة، وهو تفاوت يفوق حجم تكلفة النقل ومستلزمات العمل حتى تصل السلعة للمواطن، بما جعلني أتساءل: لمصلحة من هذه الزيادة غير المبررة؟! وأين الرقابة على ذلك؟

أرقام صادمة وتجاوزات تجار التجزئة

وعلى سبيل المثال، وحتى أقنع نفسي بوجود فارق في أسعار كافة السلع الموجودة، الأمر الذي ينطبق أيضًا على كافة الاحتياجات والمستلزمات الأخرى خارج السوق في كافة مناحي الحياة، قمت أنا وصديقي بشراء عدة أشياء، منها مثلاً قفص طماطم 24 كيلوجرامًا من الدرجة الأولى بمبلغ 300 جنيه، بما يعني أن الكيلوجرام تكلفته 12.5 جنيهًا، في حين أنه معروض في الأسواق الخارجية بـ 35 جنيهًا لدى تجار التجزئة، بما يصل لنسبة تقارب ثلاثة أضعاف ثمنه الأصلي.

الاحتكار والمتاجرة بالأزمات

ولست هنا بصدد سرد تجربة ورواية شخصية، ولكني أدق نذير خطر يحتاج لوقفة، في ظل ما يحدث في هذا التوقيت من لجوء بعض التجار في كافة السلع لرفع أسعارها وتعطيش السوق واستغلال الأزمات لتحقيق أرباح كبيرة؛ خاصة أن رفع الأسعار والاحتكار وقت الأزمات يعد ممارسة محرمة شرعًا ومجرمة قانونًا، بسبب استغلال حاجة الناس وإلحاق الضرر بهم من رفع الأسعار دون مبرر حقيقي أو بقيمة لا تتناسب مع القيمة الحقيقية.

الاقتصاد كأحد أدوات الحرب الحديثة

لابد أن يدرك الجميع أننا نعيش حالة حرب حقيقية؛ فالحرب تغيرت استراتيجيتها في العصر الحديث، فلم تعد أسلحة الحرب فقط الطائرات والمدافع والقنابل، ولكن الضغط الاقتصادي لإضعاف الدول وإحداث حالة من الخلخلة والتفكك في الجبهة الداخلية هي إحدى أدوات الحرب الحديثة. فالأصل في مثل هذه الظروف والأزمات أن يصطف الجميع صفًا واحدًا وأن يساعد كل منا الآخر وأن يقدم له يد العون، لا أن يستغل حاجته واضطراره؛ يقول صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري: "رحم الله رجلاً سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى".

مواجهة التلاعب بالضرب بيد من حديد

إن حقيقة الوعي بخطورة مثل هذه الممارسات التي لا تقل خطرًا عن الذين يريدون هدم الوطن من خلال المنصات والتحريض، وكذلك المتآمرين من الجماعات الإرهابية، باعتبار أن الاحتكار والتلاعب في الأسعار ومصائر ومصالح البشر لا يقل خطرًا عن الإرهاب، مما يتطلب من المؤسسات المعنية الضرب بيد من حديد على كل من تسول له نفسه القيام بذلك وبحزم؛ لضبط الأسعار وضمان عدم استغلال الأزمات في زيادة الأعباء على المواطنين.

رسائل القيادة السياسية والوعي الشعبي

وبدوره الكبير، فإن سيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي منذ فترة وجيزة شدد على التنبيه إلى خطورة ما يواجهه الإقليم والحرب الإيرانية مع أمريكا وإسرائيل، وتداعياتها وانعكاساتها على السياسة والاقتصاد، وأيضًا على ارتباط ما يجري الآن مع تداعيات جرت خلال السنوات الماضية، ومثلت تحديات أدت لتفكك دول وانهيار أخرى، بسبب غياب الوعي وأهمية الوحدة بين أبناء الشعب، وأن يتم العمل بحكمة والتنبه للمستقبل في كل ما يتم من إجراءات للعبور من هذه الأزمة بسلامة، مما يجعلنا نقف أمام هذه الرسائل الواضحة والاستراتيجية التي يجب أن نعمل على تحقيقها.

تحركات الحكومة لتعزيز الأمن الغذائي

كما عقد الرئيس اجتماعًا خلال الساعات الماضية مع مسئولي الحكومة المصرية تناول وضع منظومة الأمن الغذائي، بما في ذلك إنتاج وتوزيع السلع الاستراتيجية لضمان وجود مخزون آمن لمدد زمنية مطمئنة، مما يسهم في ضبط الأسواق وتوازن الأسعار، ولا سيما في ظل الأحداث التي تشهدها المنطقة، والتي أثرت بشكل سلبي على سلاسل الإمداد والتمويل.

المسئولية الأخلاقية والوطنية للتجار

وبدورنا جميعًا، نوجب على التجار أن يدركوا خطورة المرحلة الآنية لأننا نعيش في وطن واحد ينبغي أن نحافظ عليه؛ لأن حب الوطن ليس مجرد شعارات جوفاء وإنما يتحقق بممارسات إيجابية فعلية على أرض الواقع. ويجب على التجار أن يراعوا ضمائرهم وظروف الوطن والمواطن لمواجهة هذا الخلل، وأن يكونوا أداة بناء وليس أداة هدم، لأن الوطن هو الأساس والأمن والأمان، فلا يوجد محصول أو خيرات أو زرع أو نماء أو بركات بدون أرض يتم زراعتها.

إجراءات الدولة للحماية الاجتماعية وزيادة الدخول

إننا نعلم أن الظروف الاقتصادية صعبة لدى البعض، ونعي تمامًا أن حجم الضغوطات في تزايد مستمر نتيجة لارتفاع الأسعار والأزمات الاقتصادية العالمية، مما يتطلب دعمًا أكثر للفئات محدودي الدخل والمواطنين وأصحاب المعاشات، وهذا ما تحرص عليه الدولة دائمًا بين الحين والآخر بقيادة الرئيس السيسي والحكومة المصرية لتخفيف حجم الضغوط على المواطنين باتخاذ إجراءات شاملة لزيادة الدخل وتحسين مستوى المعيشة؛ وكان أبرزها مؤخرًا رفع الحد الأدنى للأجور (ليصل إلى 8000 جنيه يتم تنفيذه في يوليو 2026)، ولقد تم أيضًا زيادة بند الأجور بنسبة 21%، بالإضافة إلى تعزيز برامج الحماية الاجتماعية مثل "تكافل وكرامة"، ودعم القطاع الخاص، وجذب الاستثمارات لتعزيز الإنتاج المحلي ومواجهة الضغوط الاقتصادية بالإضافة إلى حزمة تسهيلات ضريبية.

آمال المواطنين في حياة كريمة

الجميع يأمل في أن تخفف تلك الإجراءات الوطأة لدى الملايين من العاملين بالدولة، وكذلك عن غير القادرين على الكسب وأصحاب المعاشات من كبار السن الذين لم يعودوا قادرين على العمل، وأصبحوا في حاجة ماسة وملحة لزيادة كبيرة تتناسب مع دخلهم واحتياجاتهم.

الاكتفاء الذاتي كضرورة ملحة

مما لا شك فيه أن تحسين مستوى معيشة المواطنين أصبح أمرًا لا مناص منه، وكذلك الحد من الفقر وتقليل نسبة البطالة وزيادة حجم الإنتاج المحلي في كافة القطاعات لاسيما الصناعية والزراعية، من زيادة عدد المصانع العاملة والرقعة الزراعية المنتجة وتعزيز فرص العمل لملايين المواطنين لضمان تحقيق الاكتفاء الذاتي من السلع الاستراتيجية وزيادة الصادرات وتقليل حجم الواردات مع توفير بيئة استثمارية ملائمة، مع دعم المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر؛ كل ذلك بات ضرورة ملحة وهذا ما تحرص عليه الدولة والقيادة السياسية.

تكاتف المجتمع لمواجهة التحديات

وينبغي أن نقر أن الدولة وحدها لم تعد تستطيع مجابهة تلك الضغوطات وحدها، وإنما لابد من تضافر كافة الجهود واشتراك القطاع الخاص والمجتمع المدني لضمان الحماية الاجتماعية وبما يحقق رؤية التنمية المستدامة وبما يسهم في استقرار الوضع الاقتصادي وتحقيق ما يحتاجه المواطن.

مصر.. مخزن الطاقات والقدرات البشرية

إن مصر دولة كبيرة ذات تاريخ وحضارة، وإن أهلها خير أجناد الأرض وهم في رباط إلى يوم القيامة، فينبغي أن يكونوا على قلب رجل واحد، فعلينا أن نحول المحنة إلى منحة وأن نعمل على تقوية اقتصادنا ودولتنا، وليعلم الجميع أن مصر فيها من النعم والخيرات، وفيها من الطاقات والمواهب والكفاءات ما يجعلها تتخطى الأزمات، وما تعبر به المحنات، وما تصنع به المعجزات... وتحضرني هذه المقولة القديمة التي شاعت وذاعت بين أشقائنا في الخليج حتى صارت مثلاً يشدو به الركبان ويغنى به الزمان، وقد ذكرها أيضاً الشيخ الألباني رحمه الله: (يا داخل مصر فيه منك ألف)؛ ومعنى هذا المثل: لو كنت تظن أنك أمهر الأطباء ودخلت مصر فهناك ألف طبيب أمهر منك، ولو كنت مهندساً مبدعاً فهناك بمصر ألف مهندس يبدع أكثر منك، ولو كنت فقيهاً فهناك في مصر ألف فقيه أفقه منك، وهكذا في كل المجالات؛ فالمادة الخام البشرية الهائلة والطاقة الجبارة التي في مصر لا تفنى ولا تنفذ أبدًا... بل تصدر للبلاد ويعم بها الخير والنفع لجميع العباد... حفظ الله مصر وأهلها وأفاض الخير على أرضها وشعبها مسلميها ومسيحييها.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: