لم يكن عدم التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران بعد 21 ساعة من المحادثات في إسلام آباد مجرد تعثر تفاوضي عابر في الجولة الأولى من المفاوضات، بل كان انعكاسًا مباشرًا لطبيعة الصراع ذاته، حيث تتجاوز الأزمة حدود البنود التقنية إلى صدام أعمق يتعلق بتعريف النصر وحدود النفوذ وشكل التوازن الإقليمي القادم. التصريحات التي خرج بها جيه دي فانس لم تحمل جديدًا بقدر ما كشفت عن جوهر المأزق؛ واشنطن ترى أنها قدمت عرضها الأخير والأفضل، لكنها لم تحصل على الالتزام الذي تعتبره حاسمًا، وهو إغلاق الباب نهائيًا أمام أي قدرة نووية إيرانية، بينما تتعامل طهران مع هذا المطلب باعتباره تجاوزًا لخطوطها السيادية الحمراء، وليس مجرد نقطة تفاوض قابلة للأخذ والرد.
في المقابل، جاء الموقف الإيراني عبر إسماعيل بقائي مقتضبًا لكنه معبر، حيث أشار إلى أن الخلاف يدور حول عدد محدود من القضايا الرئيسية، دون الدخول في تفاصيل، وهو ما يعكس إدراكًا بأن جوهر الأزمة معروف ولا يحتاج إلى شرح، بقدر ما يحتاج إلى قرار سياسي غير متوافر حتى الآن. فالقضايا المطروحة -من البرنامج النووي إلى رفع العقوبات، مرورًا بمضيق هرمز وتعويضات الحرب- ليست ملفات منفصلة، بل عناصر في معادلة واحدة تحاول كل دولة إعادة ترتيبها بما يخدم موقعها في ميزان القوة.
المعضلة الحقيقية هنا أن كل طرف دخل هذه الجولة وهو مقتنع بأنه خرج من المرحلة السابقة في موقع المنتصر. إدارة دونالد ترامب تنطلق من فرضية أن الضغط العسكري المكثف، الذي استهدف بنية عسكرية وصناعية واسعة داخل إيران، يجب أن يُترجم سياسيًا إلى تنازلات واضحة، بينما ترى طهران أن قدرتها على امتصاص هذه الضربات دون انهيار أو تراجع جوهري تمنحها شرعية التمسك بمواقفها، بل وتعززها. هذا التناقض في إدراك النتائج يجعل أي محاولة للوصول إلى نقطة وسط أقرب إلى التنازل غير المقبول داخليًا لكل طرف، وهو ما يفسر لماذا بدت المحادثات وكأنها تدور في حلقة مغلقة.
يظهر هذا بوضوح في ملف مضيق هرمز، الذي تحول من ممر مائي إلى ورقة تفاوض مركزية. الولايات المتحدة تتعامل معه باعتباره ضرورة اقتصادية عالمية لا تحتمل التأجيل، بينما تستخدمه إيران كأداة ضغط إستراتيجية تربطها بباقي الملفات، رافضة فصله عن الاتفاق الشامل. الأمر نفسه ينطبق على مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، حيث تراه واشنطن مؤشرًا على نية امتلاك قدرة نووية كامنة، في حين تعتبره طهران ضمانة ردع لا يمكن التفريط فيها دون مقابل يعادلها في القيمة السياسية والإستراتيجية.
هذا التعقيد يعيد طرح سؤلًا جوهريًا: هل كان الرهان الأمريكي على الحسم عبر القوة واقعيًا من الأساس؟ المعطيات تشير إلى أن هذا الرهان قام على تصور أن الصدمة العسكرية كفيلة بإعادة تشكيل حسابات الخصم، لكن ما حدث عمليًا أن هذه الضغوط عززت من تمسك إيران بأوراقها، بدلًا من دفعها للتخلي عنها. فالدول التي تمتلك بنية صلبة وخبرة طويلة في إدارة الأزمات تميل إلى تحويل الضغط الخارجي إلى عنصر تعبئة داخلية، وليس إلى عامل انكسار.
في ضوء ذلك، تبدو الخيارات المطروحة أمام واشنطن محدودة ومعقدة في آن واحد. استئناف العمليات العسكرية يظل خيارًا قائمًا نظريًا، لكنه محاط بتكلفة سياسية واقتصادية مرتفعة، خاصة في ظل التأثيرات المباشرة على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية. أما العودة إلى مسار تفاوضي طويل، على غرار ما جرى في عهد باراك أوباما، فهي خيار يتطلب وقتًا وتنازلات متبادلة لا تتسق بسهولة مع خطاب الحسم السريع الذي طغى على المرحلة الماضية. وبين هذين المسارين، يبرز خيار ثالث يتمثل في إدارة الأزمة دون حل جذري، عبر الإبقاء على وقف إطلاق النار الهش، واستمرار الضغوط المتبادلة دون الوصول إلى اتفاق شامل.
المشهد في مجمله يشير إلى حالة من التوازن غير المستقر، حيث يمتلك كل طرف القدرة على تعطيل الآخر، دون أن يمتلك القدرة على فرض تسوية نهائية. وهذا ما يفسر استمرار التفاوض رغم عدم التوصل إلى اتفاق، واستمرار التهديد بالتصعيد رغم إدراك كلفته. فالصراع لم يعد يدور حول “هل سيتم الاتفاق؟” بقدر ما أصبح مرتبطًا بسؤال أكثر تعقيدًا: "ما هو الحد الأدنى الذي يمكن لكل طرف قبوله دون أن يبدو وكأنه تراجع عن موقعه؟".
في هذا السياق، لا يبدو أن عدم التوصل إلى اتفاق في هذه الجولة يمثل نهاية المسار، بقدر ما يعكس طبيعته الطويلة والمتعرجة؛ فالتجارب السابقة تشير إلى أن مثل هذه الملفات لا تُحسم في جولات قصيرة، بل عبر تراكم تدريجي للضغوط والتفاهمات، وغالبًا ما تأتي التسويات في لحظات توازن دقيقة، وليس في لحظات تصعيد قصوى.
إن ما جرى في إسلام آباد لا يمكن قراءته كإخفاق تفاوضي بقدر ما هو تعبير عن معادلة قائمة: قوة عسكرية لا تكفي لفرض تسوية، وصمود سياسي لا يكفي لفرض شروط نهائية. وبين هذا وذاك، يبقى الإقليم عالقًا في مساحة رمادية، لا هي حرب مفتوحة ولا سلام مستقر، بل حالة مستمرة من إدارة الصراع، بانتظار لحظة قد تتغير فيها الحسابات، أو تُفرض فيها تسوية من نوع مختلف.