هدنة تفرض واقعًا جديدًا

11-4-2026 | 16:17

أخيرًا هدأت الأجواء نسبيًا؛ انتهت الحرب مؤقتًا، وأعلن ترامب هدنة لمدة أسبوعين، وإن استمرت الرشقات الصاروخية الإيرانية تدك تل أبيب لمدة بعد إعلان الهدنة فيما وصفه ترامب أنه "تأخير تقني"؛ حيث لم تصل أخبار الهدنة لقيادات "الحرس الثوري" الصغرى بعد!

وفي تغريدة صدرت عن البيت الأبيض أكد ترامب التوصل لاتفاق وقف إطلاق نار لمدة أسبوعين على أساس البنود العشرة للطرف الإيراني، تمهيدًا للجلوس على مائدة المفاوضات فى باكستان لإقرار اتفاق دائم وشامل.

جاءت الهدنة نتيجة لضغط دولي مكثف، وضغوط داخلية فى أمريكا وصلت إلى حد الدعوة إلى عزل ترامب ووزير الدفاع منعًا لكارثة اقتصادية وشيكة، وانفجار الأوضاع فى منطقة الشرق الأوسط بما يهدد بعواقب وخيمة.

على الناحية الأخرى؛ خرج الحرس الثوري ليعلن خطاب انتصار؛ اتفق معه النائب الديمقراطي "كريس ميرفي" حينما صرح بأن إعلان الهدنة بهذا الشكل هو انتصار مؤكد لإيران؛ أعطاها مفاتيح التحكم بمضيق هرمز، فيما مثل فشلًا وانهزامًا لترامب.

ومهما كان الأمر، فقد جاءت هدنة اللحظة الأخيرة كي تعطل تهديدًا خطيرًا بتصعيد عسكري كان من شأنه أن يتسبب فى تداعيات خطيرة على المنطقة بأسرها. 

ومهما كانت نتائج المفاوضات القادمة فى باكستان، فإن وقف الحرب سيفرض واقعًا جديدًا فى المنطقة والعالم، بما يستلزم استعدادًا ودراسة لمثل هذا الواقع المختلف..

خرائط النفوذ

رغم الإعلان الرسمي، فإن الحرب لم تنته بعد. فقد شددت إيران على أن قبولها بالهدنة لا يعني نهاية الصراع، بل مجرد خطوة تكتيكية قد تتراجع عنها إذا لم يتم الوفاء بشروطها العشرة!!

ولهذا استمرت بعض العمليات العسكرية المحدودة بعد إعلان الاتفاق، ما يعكس هشاشة الوضع الميداني.. بل إن الهدنة نفسها لا تشمل كل ساحات التوتر، إذ تشير تقارير إلى استمرار التوتر في جبهات أخرى مثل لبنان، ما يعني أن الصراع لا يزال متعدد المستويات..

برزت باكستان، ومعها مصر وتركيا والسعودية، ومن قبلهم عمان كوسطاء فاعلين استطاعوا إدارة الأزمة بشكل فاعل ومنجز. 

فيما ظهر جليًا تفكك القرار الخليجي؛ إذ لم ينعقد مجلس التعاون الخليجي ولو لمرة واحدة طوال الحرب، رغم ما تعرض له الخليج من ضربات مؤلمة!  ما يعني أن فترة الهدنة سوف تشهد مراجعة لموقف القرار الخليجي على أساس الاصطفاف إلى جانب السعودية باعتبارها الدولة الأقوى والأكثر نفوذًا في المنطقة..

وأما موقف القواعد الأمريكية واستمرار بقائها فى منطقة الخليج فهو موقف معقد، قد يحتاج لوقت أطول لحسمه. 

وربما اتخذت بعض دول الخليج قرارًا عاجلًا ومنفردًا بالاستغناء عن التواجد الأمريكي فى بلدانها؛ مثل عمان أو قطر، فيما سيكون القرار السعودي هو الحاسم..
 
غير أن أهم نتائج الهدنة أنها أقرت وضعًا لم يكن موجودًا قبل الحرب: "الإشراف الأمني الكامل لإيران على حركة مرور السفن وناقلات النفط عبر مضيق هرمز"؛ بما يعني أن ترامب ومن ورائه مجلس الأمن، رسخا سيطرة إيران على المضيق، الأمر الذي من شأنه أن يرسم خرائط جديدة للنفوذ الإقليمي باللونين الأحمر والأسود؛ أي بالبارود والدم..

إستراتيجيات الحروب القادمة

حرب إيران أكدت أمرًا لمسناه وأدركناه في حربي غزة وأوكرانيا، أن حروب اليوم والغد لن تشبه تلك التي صاغتها العقائد العسكرية الكلاسيكية في القرن العشرين؛ إذ لم يعد الحسم يتحقق عبر اجتياح بري شامل، ولا عبر تفوق جوي مطلق، ولا حتى عبر الصدمة والترويع بوصفها عقيدة حاسمة.. 

ما تكشفه حروب إيران وغزة وأوكرانيا، هو أن العالم دخل طورًا جديدًا من الصراع، حيث تتفكك الحدود بين الحرب التقليدية وغير التقليدية، وتعاد صياغة موازين القوة وفق معادلات مختلفة تمامًا.. نحن أمام تحول إستراتيجي عميق؛ من حرب الجيوش إلى حرب الأنظمة الأمنية والسياسية، ومن السيطرة على الميدان إلى السيطرة على التكلفة.. 

تشير التحليلات إلى أن إيران تبنت إستراتيجية تقوم على إطالة أمد الصراع، انطلاقًا من إدراكها أن خصومها لا يستطيعون تحمل حرب طويلة بتكاليف متصاعدة.. هذه الإستراتيجية لم تهدف لتحقيق الانتصار السريع، بل إلى تغيير حسابات العدو تدريجيًا على أساس استنزاف قدراته العسكرية ببطء.. 

لعل التحول الأكثر وضوحًا هو صعود الطائرات المسيرة (الدرونز) كسلاح مركزي؛ حيث أثبتت التجارب في إيران وأوكرانيا وغزة أن هذه الطائرات منخفضة التكلفة عالية الدقة، قادرة على اختراق الدفاعات التقليدية، وقد أصبحت عنصرًا حاسمًا في تغيير موازين القوى، حتى إن بعض التقديرات تشير إلى أن تكلفتها البسيطة مقارنة بقدرتها التدميرية جعلتها سلاحًا إستراتيجيًا بيد الأطراف الأضعف؛ ففي أوكرانيا، استخدمت روسيا المسيّرات بكثافة. وفي حرب إيران، شكلت طائرات الدرونز عنصرًا أساسيًا في الردع والهجوم.

ثم إن حرب إيران أثبتت فاعلية فيما يسمى الحرب الشبكية؛ حيث لم تعد الحروب محصورة في جبهة واحدة. بل أصبحت عنقودية أو شبكية؛ متعددة الطبقات والمستويات جبهة عسكرية مباشرة، مع جبهات غير مباشرة عبر حلفاء ووكلاء، بالإضافة للجبهة الاقتصادية (العقوبات والطاقة)، والجبهة المعلوماتية (الإعلام والحرب النفسية)..

في حالة إيران، رأينا نموذج شبكة النفوذ، حيث تدار الحرب عبر أطراف متعددة دون مواجهة مباشرة شاملة.. وفي أوكرانيا، أصبح الصراع مرتبطًا بأسواق الطاقة العالمية وبالدعم الدولي.. 

هكذا نرى كيف أن تلك الصراعات باتت متداخلة، بحيث يؤثر كل منها في الآخر بشكل مباشر. كل هذا وغيره من التكتيكات والإستراتيجيات سوف يغير شكل حروب المستقبل.. 

بهذا المفهوم كشفت حرب إيران عن عقيدة عسكرية جديدة؛ تتقدم فيها أهمية حسابات التكلفة على حسابات القوة الغاشمة، وحيث يتفوق الاستنزاف البطيء على عنصر المفاجأة، وحيث المرونة أهم من القوة، والنظام الشبكي المتشظي قد يتفوق على النظام العسكري المركزي، وحيث الإغراق بالتكنولوجيا الرخيصة قد يتفوق على الأسلحة الضخمة عالية التكلفة..  

تحولات إقليمية وعالمية

حرب إيران أثبتت دورًا خطيرًا للإعلام، ودورًا أخطر للتكنولوجيا.. 

لقد رأينا كيف أن المعلومات والبيانات مثلت عاملًا حاسمًا للسيطرة على الميدان؛ بداية من أنظمة التوجيه الذكية للصواريخ الهجومية، إلى أهمية التحليل اللحظي للبيانات، والهجمات السيبرانية في زمن الحرب؛ حيث تقتنص المعلومات الحيوية للأهداف والمواقع الحيوية فى غمرة انشغال العدو بالميدان. 

لقد أثبتت الحرب السيبرانية أنها صارت بمثابة جبهة مستقلة تدار بمنطق مختلف عن الحرب التقليدية، حيث لا يكون الهدف التدمير، بل التعطيل والتشويش والإرباك..

ثم هناك الدور الخطير للإعلام؛ حيث الصور والفيديوهات تصنع الرأي العام، وحيث الإعلام يحدد المنتصر، ويسرد روايات الحرب، ويلعب دورًا رئيسيًا فى الحرب النفسية المتبادلة..

نحن في انتظار تداعيات أخطر من مجرد تغير في إستراتيجيات السلم والحرب.. لن يتوقف الأمر على مراجعة الوجود الأمريكي فى الإقليم أو صراعات السيطرة على المنافذ والمضائق البحرية، أو رسم خرائط النفوذ فى الإقليم، وإنما قد نتجاوز هذا إلى آثار أبعد وأشد خطورة مثل مراجعة مدى فاعلية النظام الدولي القائم بشكله الحالي؛ وقد أثبت انعدام فاعليته فى حسم أزمة الحرب. ومثل تفكك حلف الناتو الذي هددت به أمريكا وقد تنفذه خلال فترة الهدنة، ومثل دخول اليوان الصيني لمزاحمة العملة الخضراء فى منظومة "البترودولار". 

ومثل تأثر سلاسل الإمداد بالتحكم الإيراني فى مضيق هرمز، ومثل انسحاب هذا النهج على باقي المضائق البحرية فى كل العالم مضيق البوسفور، ومضيق جبل طارق، ومضيق باب المندب..

صحيح أن الهدنة تمت، وتخلصت المنطقة من تهديد خطير. إلا أن تداعيات حرب الأربعين يومًا سوف تستمر لشهور وسنوات قادمة، وسوف تظل النار رابضة تحت الرماد.

[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: