البلاء هو المصيبة أو المحنة وأحيانًا يكون النعمة؛ لأنها "اختبار" لإيمان الإنسان وكيف يتعامل معها؛ هل سيشكر الرحمن، أم يراها حقًا له؟ وهل سيستخدمها في الطاعة، أم في المعصية؟
نركز على البلاء كمحنة أو شدة أيا كان نوعها، لنا أو لمن نحب، خاصة أم عامة؛ وجميعنا وقعنا في "فخ" انتظار وقوع البلاء أو إنكاره ولو لبعض الوقت.
إنكار اقتراب المحنة يمنعنا من اتخاذ أفضل ما يمكننا لمنع حدوثها أو على الأقل تقليل أضرارها ما استطعنا بعد الاستعانة بالرحمن بالطبع، وتقليل الخسارة مكسب وذكاء وصيانة للنفس؛ يجب السعي للفوز به بجدية ومثابرة.
يضاعف الإنكار من "الصدمة" بعد وقوعها ويضعفنا نفسيًا ويخصم من قدرتنا على التعامل معها بإيجابية "نحتاجها" بشدة ويسمح للضرر بالاتساع وربما بالإقامة في حياتنا لفترات قد تطول.
الإنكار "يحرمنا" من الاستفادة من نصائح من يحبوننا وينبهوننا للحذر وقد نتعامل معهم بحدة ونخسرهم إنسانيًا، ونحرم أنفسنا من قلوب "مخلصة" تهتم بنا، وقد نقترب ممن يقومون "بتخديرنا" بقصد أو دون تعمد ممن يقولون لنا لا داعي للقلق.
تعلمنا الحياة أن الإنكار يضاعف الخسائر عند حدوثها؛ فلو سرنا في طريق وأنكرنا وجود حفر فسنقع فيها الواحدة تلو الأخرى، بينما رؤية الواقع تساعدنا على النجاة أو تقليل الوقوع أيضًا.
ينكر البعض وقوع البلاء ويقول لنفسه: لم أفعل شيئًا سيئًا ولا أستحق البلاء!!
وكلنا نفعل أمورًا سيئة ولو دون تعمد؛ فلا أحد منا ملاك، كما أن البلاء ليس عقوبة كما يفكر الكثيرون، فقد يكون رفعًا للدرجات عند الصبر والتسليم للرحمن، بعد الأخذ بالأسباب، أو تكفير عن ذنوب، وكلنا نذنب أو لنصبح أفضل دنيويًا باكتساب خبرات "نحتاجها" والبلاء فرصتنا لتعلمها.
أما انتظار البلاء مع التضخيم منه فهو كارثة بكل المقاييس وصنع هزيمة نفسية؛ قال الإمام علي كرم الله وجهه: الناس من خوف الذل في ذل ومن خوف الفقر في فقر"، وقال أيضًا: "كل متوقع آت وتؤخذ أقداركم من أفواهكم. "وقوع البلاء أهون من انتظاره"؛ قول صحيح جدًا، فالانتظار يصنع القلق ويضاعفه بمرور الوقت ويجعلنا نفكر في أسوأ السيناريوهات وأشدها إيلامًا للنفس وأحيانًا لمن نحب.
وللأسف كثيرًا ما يستولي هذا على القلب، ويتمكن من العقل فتزحف المخاوف "وتستوطن" وتتسبب في إصابة أنفسنا بالعجز بأيدينا "ونتوقف" عن البحث عن حلول نستطيع المسارعة بفعلها للخلاص من المحنة القادمة، أو بلغة الأطباء تخفيف حدة الاحتقان عندما لا يجدون حلًا حاسمًا للألم.
والأشد والأقسى أن يصل البعض لليأس؛ والمؤمن لا ييأس أبدًا بل "يتشبث" برحمة الله الواسعة دومًا.
يتأرجح البعض بين التشاؤم والتفاؤل الزائد؛ وكلاهما يؤذي العقل "ويضلله" بمعلومات غير حقيقية يتصرف على ضوئها فتأتي النتائج الضارة وتفقد الإنسان الثقة بنفسه وبعقله والاعتدال مطلوب دومًا.
صدق نجيب محفوظ القائل: "الخوف لا يمنع من الموت، ولكن يمنع الحياة"؛ فالخوف هو أسوأ مستشار للإنسان الخوف يصيب العقل بالارتباك والإرادة بالشلل ويضعف الروح المعنوية
و"يسرق" الأمل وهو أوكسجين الحياة.
نود منع الحزن ونحن ننتظر البلاء؛ فلن يفيدنا وسيضعفنا والأفضل فعل ما يمكن فعله "وزرع" اليقين بواسع رحمة الله وعظيم فضله.
ولنردد الدعاء: اللهم احرسنا بعينك التي لا تنام، واكفنا بركنك الذي لا يُضام، ربنا لا نهلك وأنت الرجاء، اللهم أنت أعز وأكبر مما نخاف ونحذر.
ونتجنب الدعاء بتحمل البلاء كما يفعل الكثيرون، فالأفضل الدعاء برفعه وجعل صبرنا عليه رفعًا وفوزًا لنا في الدارين، مع "ضرورة" التعلم من البلاء إن وقع -لا قدر الله- ومعرفة دورنا في صنعه ولو بعدم اتخاذ ما يكفي من الحماية للنفس، أو الثقة بمن لا يستحقون ومنع تكرار ذلك، وبذا ننتزع مكسب منه.
أما إذا لم يحدث فلنسجد شكرًا للرحمن، ونجدد التبرؤ من حولنا وقوتنا ومنع أي "ذرة" تباهي بالنفس، ولا ننسب لأنفسنا أو لأي مخلوق أي فضل في منع البلاء، ونتصدق شكرًا للرحمن، ونردد بيقين وصدق وحياء الآية الكريمة: "وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ".
في الحديث الشريف: "وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّه"؛ فلنتصبر عند انتظار البلاء ونتذكر الآية الكريمة: "وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ"، ونطمئن النفس بأن الرحمن سيرزقنا بالخير في كل الأحوال وألا بلاء سيدوم وسيعقبه -إن حدث- خير جميل بفضل الوهاب..
ونحسن الظن بالرحمن وندعو بالصبر الجميل بلا شكوى لأحد؛ فالشكوى تزيد الوجع بينما "التعفف" عنها يمنحنا القوة النفسية، وهي أكثر ما نحتاجه في الحياة عامة وعند الأزمات أو توقعها خاصة.
وكما قيل: "لا تجعل همك يقتل همتك"، ويخبرنا الواقع أن حدوث ما نكرهه بعد انتظار لا يكون مؤلمًا جدًا كما توقعنا؛ فرحمة الله تتنزل دومًا وتحيط بنا "أكثر" عند البلاء، فسبحانه اللطيف بعباده الذي لا يحملنا ما لا نستطيع تحمله، بينما استسلامنا للمخاوف عند الانتظار يمنح لإبليس اللعين "السيطرة" الكاملة على عقولنا وقلوبنا وتصرفاتنا فنصنع الأذى بأنفسنا بأكثر مما يمكن أن يفعله وقوع البلاء، أليس كذلك؟!