‫الصين.. كيف تربح دون أن تنتصر؟

11-4-2026 | 15:08

فى مفارقة لافتة للنظر فى سلوك القوى الكبرى، تكشف الحرب الدائرة على إيران كيف تختار بعض الدول خوض المواجهة المباشرة، بينما تفضل أخرى إدارة التوازنات من خلف الستار.

فى هذا المشهد، تبدو الصين والولايات المتحدة نموذجين متناقضين لطبيعة القوة وحدودها، ليس فقط فى إدارة الصراعات، بل أيضا فى فهم العالم نفسه.

الصين، التى عززت حضورها فى الشرق الأوسط خلال العقدين الماضيين، تتعامل مع الأزمة باعتبارها اختبارا لمنهجها القائم على تجنب الانخراط العسكرى والتركيز على الاستقرار، فالمنطقة بالنسبة لها ليست مجرد ساحة صراع، بل عقدة إستراتيجية ترتبط بأمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، واستمرارية مشاريع «الحزام والطريق».

ومن هنا، فإن أى تصعيد واسع، لا يمثل فرصة بقدر ما يشكل تهديداً مباشرا لمصالحها الاقتصادية.

لهذا، تختار بكين أن «تربح دون أن تنتصر»، فهى لا تسعى إلى نصر عسكرى تقليدى، بل إلى تثبيت موقعها كقوة توازن فى مرحلة ما بعد الحرب.

تتحرك دبلوماسيا، تحافظ على قنوات الاتصال مع جميع الأطراف، وتدفع نحو التهدئة، دون أن تنحاز بشكل كامل لأى طرف، حتى لحلفائها، فالعلاقة مع إيران، رغم طابعها الإستراتيجى، لم تدفع الصين إلى تقديم دعم عسكرى مباشر، فى إشارة واضحة إلى أن سياستها تقوم على إدارة المصالح.

فى المقابل، تفرض الولايات المتحدة حضورها بالمواجهة غير المحسوبة التى وصلت حد السباب والشتائم! هذا الحضور ناتج طبيعى لا يمكن فصله عن طبيعة الداخل الأمريكى نفسه، فالمواطن الأمريكى غالبا، بحكم طبيعته المنعزلة نسبيا، لا يضع السياسة الخارجية ضمن أولوياته، وهو ما ينعكس على اختياراته الانتخابية. فمثلا أحد الناخبين صرح فى لقاء صحفى بأنه سيختار «المرشح الذى يهتم بكلبه» قبل الشئون الخارجية، وهذا يكشف جانبا من تفسير صعود شخصيات مثيرة للجدل إلى سدة الحكم.

ضمن هذا السياق، يبرز نموذج دونالد ترامب بوصفه انعكاسا لخلل أعمق فى الخطاب السياسي، فهو القادم من عالم الإعلام والترفيه، لا من تقاليد السياسة، الذى نقل إلى البيت الأبيض أسلوبا يقوم على السخرية والتصعيد اللفظى المتكرر، متجاوزا الأعراف الدبلوماسية التى حكمت العلاقات بين الدول لعقود.

فلم تعد الخلافات - بمنطق ترامب الخارج عن المنطق- تدار بلغة المصالح فقط، بل باتت تخاض أحيانا بمفردات شخصية تمس رمزية الدول وقادتها.

هذا التحول لا يعبر فقط عن شخص الرئيس، بل عن بيئة سياسية دولة سمحت بصعوده. تاريخيا، لم تكن هذه الظاهرة بعيدة تماما عن المشهد الأمريكي؛ فقد شهدت السياسة الأمريكية صعود شخصيات محدودة الخبرة، كما حدث مع جورج بوش الابن، الذى وصل إلى السلطة بدعم شبكة من المستشارين، إلا أن الفارق اليوم يكمن فى تراجع الضوابط التقليدية للخطاب السياسى، واتساع مساحة الشعبوية.

ورغم ذلك، لا يعنى هذا أن الولايات المتحدة تتجه نحو أفول شامل، فالنظام الأمريكى، بما يمتلكه من مؤسسات، يحمل فى داخله آليات تصحيح ذاتي، الأزمة هنا تبدو مرتبطة بلحظة سياسية أكثر منها تحولا بنيويا.

غير أن خطورة هذه اللحظة تكمن فى تأثيرها على النظام الدولى، خاصة مع تزامنها مع أزمات كبرى تهدد الاقتصاد العالمى واستقرار الأسواق.

بين هذا وذاك، يتشكل مشهد دولى جديد: الصين تراكم النفوذ بهدوء، وتراهن على ما بعد الأزمات، بينما تخوض الولايات المتحدة صراعاتها فى العلن، متأثرة بتقلبات الداخل وضغوطه، وفيما تسعى قوى إقليمية إلى فرض معادلات ميدانية،  فهل تقاس القوة بما تحققه الدول أثناء الحروب، أم بقدرتها على التموضع الذكى لما بعدها؟

فى المحصلة، ليست المعركة الحقيقية هى تلك التى تخاض بالسلاح، بل تلك التى تدار بالعقل، وبين من يسعى إلى الانتصار، ومن يكتفى بتقليل الخسائر وتعظيم المكاسب، يتحدد شكل النظام الدولى القادم.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: