المشاركة في تحمل أعباء الترشيد

9-4-2026 | 21:13

لم يعد ما يجري في المنطقة مجرد تطورات عسكرية عابرة يمكن متابعتها من بعيد؛ فالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، واتساع دائرة الاشتباك لتشمل تهديد أمن الخليج العربي، تعني أننا في حالة إقليمية شديدة الاضطراب، لن تكون مصر بمنأى عن تكلفتها الاقتصادية والمعيشية. ما تم من إجراءات صحيحة لترشيد استهلاك الطاقة هو بداية لمسار صعب قد يحمل في طياته إجراءات أكثر قسوة إذا طال أمد الحرب، أو اتسعت رقعتها.

في هذه المرحلة يصبح من حق المواطن أن يسأل: عمن سيتحمل الفاتورة؟ وهل سيظل هو الحلقة الأسهل والأضعف؟ وهل المطلوب منه في كل أزمة أن يتفهم، ويتحمل، ويصبر، بينما لا يرى بوضوح ما الذي تتحمله الحكومة نفسها؟

مع الاعتراف بأن مرونة التحرك ستكون أقل إتاحة، ومحدودية القدرة على التحمل، تصبح المكاشفة والمصارحة ضرورة حتمية، وواجباً مستحقاً على الحكومة تجاه المواطنين. المكاشفة التي أقصدها ليست بيانات مرسلة تتحدث عن مبررات سبق قولها، ما أقصده هو أن تتحدث الحكومة عن مستهدفاتها من إجراءات الترشيد، مسندة بأرقام حقيقية تتضمن كميات وقيمة الوفر الذي تحقق على مدار شهر من تنفيذ الإجراءات، وأن تعلن الحكومة كشف حساب يوضح ما قامت دواوين الوزارات والمؤسسات بتوفيره من مصروفات وأعباء؛ لأن المواطنين يترسخ داخلهم إحساس يقترب من اليقين أنهم فقط من يتحملون الأعباء.

على الحكومة أن تقول للمواطنين بوضوح: كم وفرت من كهرباء، ووقود، ونفقات تشغيلية، وسفر، ومشتريات؟ وكم تساوي هذه الوفورات مالياً؟ ليس سراً القول بأن التكهنات بدأت تدور حول أسعار البنزين، والسولار، والغاز، وما يترتب على ذلك من ارتفاع أسعار السلع والخدمات، وهنا، فإن أسوأ ما يمكن أن تفعله الحكومة هو أن تترك الناس أسرى الشائعات والتخمينات، أو أن تفاجئهم بقرارات غير ممهد لها.

الواجب الآن أن تشرك الحكومة المواطنين في فهم الموقف الحقيقي، أن تشرح لهم بصدق السيناريوهات المحتملة، والخيارات المطروحة، وتكلفة كل خيار، والثمن الذي سندفعه إذا لم نتحرك. هذا هو الأسلوب الأفضل الذي يمكن أن يصنع قبولاً وطنياً واعياً.

لا أحد ينكر أن الحكومة الحالية برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي تعمل تحت ضغوط استثنائية، تبذل أقصى طاقتها، وتتحمل أعباءً جسيمة تؤثر على رضاء المواطنين عنها، إلا أن صعوبة الظرف لا تعفيها من واجب الشفافية؛ فالمواطن قد يقبل الظروف الصعبة، لكنه لا يقبل الشعور بأنه المتحمل الوحيد لكل الأعباء. المصارحة والمكاشفة تحت مظلة الشراكة سوف تبني ثقة متينة مع المواطن، لأن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي حكومة في لحظة ضغط اقتصادي هو أن يترسخ لدى الناس شعور بأنهم فقط من يتحملون الأعباء، ويسيرون وحدهم طريق الصعاب.

كلمات البحث
الأكثر قراءة