صدق وعراقة وفيض انتماء

9-4-2026 | 12:55

إلى هذه الأحياء القديمة لا يزل قلبي يحن ويتعلق، في هذه الشوارع النابضة بالروح المصرية الأصيلة ما زال شوقي يحركني ويدعوني في كل مرة للعودة إليها، أسبح في بحار التأمل، وأفتح صفحة الماضي التي كنت أعيشها بطريقتي، بطبيعتي التي تجعلني أتوحد وأذوب في الأشياء، ما زلت أنتمي لهذه المعالم التي تنطق بالعز والمجد والإباء. 

أتذكر جيدًا هذه المساجد العامرة بالصلوات وبالإيمان، أذكر انعكاس الأضواء على أرض الشارع، كم وددت أن أحتضنه، أطبع فوق تلك النقوش رسائل محبتي لتترك بصمتها بكل قلب يعيش بالروحانية ويتغذى على عشق الإله، لم تزل ذكرياتي هناك مطبوعة فوق القباب، تترك أثرًا فوق المآذن العالية التي كم تابعتها ببصري أراقب علوها لتعلو بعدها هامتي كأنها تعانق الفضاء وتطاول السماء، ما زلت أرغب في العودة لأمسي، وإن امتلكني ضجيج يومي وغدي، فتلك أمنيتي وما أكثر الأمنيات!  

نشأت في حي من أحياء مصر القديمة، أحياء جمعت بين البساطة والذوق والجمال؛ حيث خلت مناطقنا من أناس لا يألفون العيب ولا يمررون أصعب المواقف، خلت قلوبهم من الزيف وتنكروا للتصنع الذي استشرى بين العباد، فهي أماكن حية جمعت بين الأصالة والشعور بالانتماء. 

أحياء خلت من  عشوائية طغت، انتشرت كما لم تنتشر من قبل، عاثت فسادًا في الأرض وألحقت الضرر بكل الأشياء، كم مشيت في شوارعها، وكم غلبني الشعور بالدهشة والانبهار، تفتحت عيناي على مشهد يضاف إليه كل يوم العديد من المشاهد التي تضع توقيعها ليبقى، تعلمت التأمل وغرقت بالتفاصيل دون ملل، تركت العديد من رسائل الامتنان لصناع مهرة ولفنانين مبدعين عظماء. 

لم أشعر مطلقًا بانتمائي لهذا الواقع الحالي الذي أحياه الآن، الواقع الذي خرج عن الأصول وتبرأ من العادات، تبرأ من كل الثوابت وسعى بدأب لمحو معاني الإنسانية بكل جهل، لذا فأنا أشتاق لذكرياتي، ذكرى أناس علموني أن الخير باق، وأن المحبة بينهم راسخة وأن الجار للجار وإن جار. 

سأصحبكم معي لقطعة من ذكريات الماضي الذي دونت تفاصيله، كتبتها بالنور على غلاف قلبي الذي تغنى بها وتمنى أن يحياها مرة أخرى، وإن كان ذلك مستحيلًا لا يختلف عليه اثنان، كنت أشعر بأن المعالم التي كنت أمر بها حية تتبادل معي الحديث، وتنتظر كل يوم مني سؤالًا أثناء ذهابي إلى مدرستي الثانوية، كانت تضمني، تشكلني، تتوجني بتاج العزة والفخر كمصرية عرفت قدر بلادها التي تركت أثرًا لم ولن تمحوه الأيام والأعوام. 

أنا ابنة مصر، ابنة هذا البلد الطيب، البلد الذي علم العالم من علومه وأهدى الإنسانية من عصارة فكر أبنائه ما زاد وما فاض، دون منٍ منه أعطى، كان مشواري اليومي لمدرستي القريبة من قلعة صلاح الدين يجعلني أتنفس حبًا وانتماء لهذا البلد الكريم، كنت أمر بعدد من المساجد التي تعبر سماتها عن كل عصر شيدت فيه، هذا مملوكي وذاك عثماني وذلك فاطمي وغيرها الكثير، لم تكن الآثار جامدة خالية من الحياة، فهى تنطق بما انطوت عليه العقود والقرون، كانت تبعث برسائلها إليَّ، أتلقاها بوعي كامل، أعيها وأفهمها، فأنا فرع آتٍ من ذاك الأصل العريق.

حكايات طويلة وقصص عديدة نسجها تاريخ من قبل سبعة آلاف عام، تعددت قصصه ونطقت بإبداع فنان صنع فأجاد، ترك جمالًا وبهاءً نطقت به نقوش وكلمات باقية إلى هذا اليوم وما بعده من أيام وسنوات، لقد برع الفنان الإنسان، سعى بكل طاقته لكي يدون إحساسه المختلط بصبغة عصره الذي عاشه، رسمها وحفرها على أحجار، أتقن صنعها وتركها شاهدة على عظمة بلاده وعلى عظمة الأجداد.

كلنا نمتلك أرصدة من ذكريات طفولة، مراهقة وشباب، يتوق أغلبنا للعودة للماضي بما فيه من طهر ونقاء، نتمنى أن نعود لنتذوق طعم الحياة الهادئة الممتلئة بالمثالية، نودع صخب عصرنا، نتكئ على تقاليد وعادات سوية، تضمن لنا سلامة نفس وشعورًا جارفًا بالانتماء والوطنية.

كلمات البحث
الأكثر قراءة