بداية نطرح سؤالًا مهمًا على الأقل من وجهة نظر طارحه: هل إكرام اليتيم والإحسان إليه وجبر خاطره محدد بيوم واحد؟
أم أن الأمر مقصور على التذكرة، التذكرة باليتيم، لذلك تم تخصيص يوم سمي بيوم اليتيم؟!، إن كان الأمر كذلك فهذا جد محمود، لماذا؟! من باب قوله تعالى: (وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين)، لأننا قد اخترمتنا الدنيا وشغلتنا مشاغلها عن أمور مهمة تستقيم معها حياتنا وتكون دافعًا لنا للاستمرار والمواصلة، ومن أعظم هذه الأمور إكرام اليتيم الذي كتب الله عليه أن يولد طفلًا فلا تتفتح عيناه على رؤية والديه أو أحدهما، وهذه إرادة الله تعالى، وليس ثم أحد معصوم فإن الموت أقرب للواحد منا من شراك نعله كما قال النبي ﷺ في حديثه الشريف.
ورسولنا الكريم لحكمة يعلمها الله ثم أطلعنا عليها النبي ﷺ بعد ذلك ولد يتيم الأب وكفله جده عبد المطلب، ثم توفيت أمه وجده وكفله عمه أبو طالب؛ فتربى النبي يتيمًا، أما الحكمة في ذلك فهي: الرحمة والإحسان والعطف على اليتيم وكفالته وعدم نهره وزجره وقهره.
مصداقًا لقوله تعالى: (فأما اليتيم فلا تقهر)، (أرأيت الذي يكذب بالدين * فذلك الذي يدع اليتيم)، أي تلازمية هذه، سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم، الذي لا يصدق بيوم الدين وينكر الحساب وينكر البعث هو الذي يزجر اليتيم وينهره ويأكل ماله بالباطل، وإذا تزوج أرملة ولها يتيم لا يعامله معاملة حسنة.
أما سبل إكرام اليتيم فهي كثيرة جدًا، فلا تكون بالضرورة مساعدات مادية بالمال فقط، فقد يكون هذا اليتيم غنيًا جدًا وليس في حاجة إلى المال، وإنما في حاجة إلى العطف عليه ولو حتى بالتبسم في وجهه وملاطفته والمسح على رأسه، وهذه أفضل أنواع الكفالات التي أخبر عنها النبي ﷺ: (أنا وكافل اليتيم كهاتين، وأشار إلى إصبعيه الوسطى والسبابة)، وكما قال أيضًا: (خير البيوت بيت يكرم فيه يتيم وشر البيوت بيت يهان فيه يتيم). لكن هناك ضرورة ملحة لتحري الأيتام والبحث عنهم، وهم كثر فلا يخلو بيت من البيوت ولا حارة ولا شارع ولا مدينة ولا قرية إلا وبها أيتام، وهذا ما علمنا إياه رسولنا الكريم: تحري الأيتام والبحث عنهم وإكرامهم والعطف عليهم.
يقول تعالى: (ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم)، لكن المخالطة تكون بالمعروف والسعي في قضاء مصالحهم، كذلك الحفاظ على أموالهم وممتلكاتهم وهنا نخاطب أهل الوصاية على الأيتام إياكم ثم إياكم العبث بمال اليتيم وأكله بالباطل مصداقًا لقوله تعالى: (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن). وأيضًا من وجوه المخالطة: الزواج من اليتامى، شريطة العدل في معاملاتهم وعدم السطو على حقوقهم وعلى ممتلكاتهم (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء).
ومن مظاهر الإحسان إلى اليتيم ما ضربه النبي لنا من أمثال، فها هو يرى صبيًا يوم العيد، يبكي وقرناؤه يضحكون ويلعبون، فأمسك بيده رسولنا الكريم قائلًا: "ما يبكيك؟"، قال: "لقد استشهد أبي في غزوة مع رسول الله"، فأخذه الرسول ﷺ إلى بيت عائشة ومسح على رأسه وطبطب عليه، قائلًا: "هل ترضى أن تكون عائشة أمك ورسول الله أباك؟"، فتهلل وجه الصبي وخرج سعيدًا من بيت رسول الله ﷺ.
فعلينا جميعًا تحري هؤلاء الأيتام والبحث عنهم؛ لأن في هذا الأمر ترقيقًا للقلوب التي ما أحوجنا في عصرنا هذا الذي أثقلته المادية المسرفة إلى أن نرقق قلوبنا، فإذا ما رقت لانت، وإذا ما لانت خشعت لله تعالى، وإذا ما خشعت تبدل حالنا إلى الأحسن.
أستاذ الفلسفة بآداب العاصمة