تعرضت محطات الطاقة النووية الإيرانية في "بوشهر"، للقصف صباح السبت قبل الماضي بواسطة الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، وقالت وكالة "تسنيم" الإيرانية، إن قذيفة استهدفت محيط المحطة النووية، نتج عنه وفاة شخص، وهذا هو الهجوم الرابع الذي تتعرض له المحطات النووية الإيرانية، منذ بداية الحرب الحالية في 28 فبراير 2026.
على الطرف الآخر، أصيبت مدينة ديمونة الصهيونية، مؤخرًا، بأضرار بعد سقوط صاروخ إيراني بالقرب من مفاعل "ديمونة" النووي خلال هذه الحرب، كما تعرضت محطة "زابوروجيا" للطاقة النووية في أوكرانيا للهجوم من قبل القوات الروسية، إلا أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة، نوهت إلى عدم حدوث زيادة في مستويات الإشعاع بسبب الهجوم على تلك المفاعلات، وحذرت من استهداف المحطات النووية، ودعت إلى "أقصى درجات ضبط النفس لتجنب خطر وقوع حادث نووي".
ويظل الهجوم على المفاعلات النووية، هو الأخطر في كل المواجهات والحروب، فالخسائر نتيجة التفجيرات أو التسريبات النووية، لا تتوقف عند تزايد أعداد الضحايا فقط، بل تتجاوزها إلى المزيد من الآثار والتداعيات الصحية طويلة المدى وتتزايد على مدى عشرات السنين، كما حدث في كارثة "تشيرنوبل" الروسية العام 1986.
وبالرغم من أن هذه الكارثة الأخيرة، كانت نتيجة تسريب بسبب انفجار في إحدى غرف المفاعل، رغم أنه كان حادثًا وليس هجومًا متعمدًا، وحدث منذ نحو 40 عامًا، ورغم أن عدد الضحايا في أعقاب الحادث كان 31 حالة وفاة، إلا أن عدد الضحايا قفز إلى 4 آلاف حالة، طبقًا لتقديرات منظمة الصحة العالمية والوكالة الدولية للطاقة عام 2005، إلا أن منظمة "السلام الأخضر - Greenpeace" قدرت العدد الإجمالي للوفيات نتيجة حادث "تشيرنوبل" ما بين 92 – 200 ألف حالة وفاة، بسبب ظهور أمراض سرطانية ومزمنة على مدى عقود في جميع أنحاء أوروبا، فالإشعاع لا يعرف الحدود.
ومن بين المخاطر العديدة والمتنوعة نتيجة حوادث المفاعلات النووية، هو صعوبة التأكد طبيًا بأن حالة سرطانية معينة حدثت بسبب إشعاع المفاعل تحديدًا، وليس نتيجة عوامل أخرى، وتتقاطر تلك المخاطر والإصابات مثل الإصابة بسرطان الغدة الدرقية لدى الأطفال، وسرطانات الإشعاع وغيرها.
ولاشك أن استهداف المنشآت النووية والطاقة، يهدد بكارثة لا حدود لها، وهو ما حذرت منه الشبكة العربية للبيئة والتنمية "رائد"، من أن استهداف المنشآت النووية ومحطات الطاقة والمجمعات الصناعية ضمن العمليات العسكرية ينذر بسيناريوهات كارثية محتملة، في مقدمتها مخاطر التسرب الإشعاعي والانبعاثات الكيميائية السامة، وتنبه إلى أن هذه التداعيات لا تقف عند حدود الدول المتأثرة، بل تمتد عبر الحدود، مهددة النظم البيئية وصحة ملايين البشر في المنطقة وخارجها، وجددت الشبكة دعوتها إلى المجتمع الدولي لتحمل مسئولياته في وقف التصعيد، واتخاذ إجراءات عاجلة وفعالة لحماية الموارد الطبيعية والبنية التحتية البيئية، تفاديًا لانزلاق المنطقة إلى كارثة بيئية ممتدة تهدد حاضر الأجيال ومستقبلها.
وتتركز المخاطر والخسائر في الضحايا من البشر، سواء في وقت الحرب أو ما بعدها، وهو الأكثر نزيفًا وضررًا، وفي حالة استهداف طرفي الحرب الحالية المواقع والمحطات النووية لكلاهما، فإن الخبراء والعلماء والعقلاء، لا يستطيعون توقع كم الضحايا أو حتى تقدير حجم الخسائر، وحادث "تشيرنوبل" مثالًا، فقد بدأ بـ 23 حالة وفاة، ثم قفز إلى 40 ألفًا، إلى أن وصلت التقديرات إلى 200 ألف ضحية، والمخاطر تتجاوز كل الحدود لتصبح بشرية وبيئية، ليس فقط على ظاهر سطح الكرة الأرضية، بل تتجاوزها إلى فساد التربة في باطن الأرض، وإحداث اختلالات في التنوع البيولوجي، إضافة إلى التلوث الذي لا يكتفي بأضرار جسيمة لمياه الأنهار والبحار، بل يتجاوزها إلى تلوث المياه الجوفية.
من الصعب تقدير الخسائر البشرية المباشرة وغير المباشرة، والتسمم الإشعاعي الحاد بسبب جرعات الإشعاع التي تؤدي إلى الوفاة خلال أيام أو أسابيع، وقد تمتد إلى شهور وسنوات، إضافة إلى ارتفاع هائل في معدلات الإصابة بالسرطان، خاصة الغدة الدرقية بسبب اليود المشع، والتشوهات الجينية للأجيال القادمة، يتبعها ظاهرة النزوح القسري، واضطرار الملايين للهجرة من مناطق الحظر التي ستصبح غير قابلة للحياة، مما يخلق أزمة لاجئين دولية غير مسبوقة، ناهيك عن الخسائر الاقتصادية التي من الصعب احتواؤها عند مئات المليارات، أو التريليونات من الدولارات.
ولا تتوقف سلبيات ومخاطر التلوث النووي عند الخسائر البشرية أو المادية، أو حتى الخسائر الاقتصادية، اليوم وغدًا، هناك الأكثر خطورة وهو المسارات الطبيعية للغبار الذري، فلم يحدث حتى اليوم التحكم في مسارات الرياح التي تنقل هذا الغبار، عبر الرياح الموسمية، فتوقع مسار الرياح يحدث ولكنه لا يتم بدقة، حيث عوامل بيئية مع تغيرات مناخية تتحكم في مسارها.
والأكثر خطورة من هذا التلوث هو ما يعرف بـ "الغبار النووي"، أو ما يطلق عليه العلماء "الشتاء النووي"، ويحدث نتيجة لانتشار الهواء محملًا بذرات الغبار الناتج عن الانفجار النووي الكثيف، حيث تنتشر هذه الذرات في الهواء ويكتظ بها وجه الأرض ومع تزايد كثافته فإنه يحجب ضوء الشمس عن الأرض، ومع استمراره لفترات ممتدة، يؤدي اختفاء شعاع الشمس عن سطح الأرض، إلى تغيير ساحق في وجه الحياة التي نعيشها فتتجمد المياه، وتموت الأشجار والكائنات لغياب نعمة واحدة فقط من نعم الله، سبحانه، على الكوكب وهو "ضوء الشمس".. فهل نتقي الله في ملكوته.