هناك موقف في لعبة الشطرنج يجد فيه اللاعب أن كل خطوة يقوم بها تؤدي إلى تدهور موقفه، وهذا هو الوضع الذي تجد واشنطن وتل أبيب نفسيهما فيه حاليًّا؛ فقد خلق الاستخدام المكثف للطائرات المسيّرة، وسيطرة إيران على مضيق هرمز، ظروفًا تجعل استمرار الصراع غير مقبول اقتصاديًّا بالنسبة للغرب.
ويأتي ذلك في وقت تنتشر فيه شائعات قوية بأن الولايات المتحدة قد تستخدم أسلحة نووية تكتيكية ضد إيران، بينما تهدد طهران بإشعال المنطقة بأكملها. فهل الخوف من "خيار شمشون" هو السبب وراء مناشدة القيادة المصرية للرئيس ترامب لإنهاء الحرب، باعتباره الوحيد القادر على تحقيق السلام؟
وفي الوقت نفسه يراقب الجميع الموقف عن كثب، والبعض –مثل وزير الدفاع الإيطالي غيدو كروسيتو– لا يستطيعون النوم بسبب المعلومات الاستخباراتية "المرعبة" التي بحوزتهم عما قد يحدث قريبًا؛ إذ يبدو أن النية الكامنة وراء حرب الخليج الرابعة "مرعبة" بالفعل. تُرى كيف تفكر إيران؟ وأيهما أقرب: التصعيد أم التهدئة؟
من الواضح أن إيران سعت جاهدة خلال الحرب لتوسيع ساحة المعركة، ويرى البعض أنّ إغلاق مضيق هرمز ربما كان له التأثير الأكبر في مجريات الأحداث؛ فهل بإمكان الاستراتيجية الإيرانية أن تعتمد بالكامل على هذه الخطوة وحدها؟ وهل يكفي ذلك لوضع الولايات المتحدة في وضع دفاعي وتغيير ديناميّة الحرب؟
يرى العديد من الخبراء أن ذلك غير كافٍ، وبالرغم من أنّ مضيق هرمز هو ورقة الضغط الأكثر فاعليةً لدى إيران في هذه الحرب، لكنه بمفرده لم يكن ليكفي لتغيير الزخم العام أو لوضع الولايات المتحدة في موقع دفاعي على نحو مستدام. ويؤكد الخبراء أن ما تُحقّقه "ورقة هرمز" هو ممارسة ضغط فوري ومُمنهَج؛ فمن خلال تعطيل تدفّق إمدادات الطاقة أو التحكّم به، تستطيع إيران فرض تكلفة باهظة ليس فقط على الولايات المتحدة وحلفائها، بل أيضًا على الاقتصاد العالمي، وهو ما يسفر عن تبعات سياسية واضحة، إذ يولّد ضغوطًا من دول الخليج، ويؤثّر في أسواق الطاقة، ويعقّد قرارات واشنطن بشأن التصعيد.
ومن هذا المنطلق، شكّل مضيق هرمز عنصرًا محوريًّا في قدرة إيران على تحويل "الجغرافيا" إلى ورقة ضغط، وعلى توسيع نطاق الحرب بشكل يتجاوز المجال العسكري. لكن الاستراتيجية الإيرانية لم تُبنَ على ورقة ضغط واحدة، بل صيغت من خلال مزيج من أدوات يعزّز بعضُها الآخر؛ فيُجدي الضغط على مضيق هرمز نفعًا لأنه يقترن بإطلاق صواريخ وطائرات مسيّرّة بشكل مستمرّ، واستهداف البنى التحتية الأمريكية في المنطقة، وبفتح جبهات عدّة، بما في ذلك جبهة بحرية مُحتملة في باب المندب. هذا الإطار الأوسع هو ما يمنح التصعيد مصداقيةً؛ فمن دونه، قد يُنظر إلى إغلاق مضيق هرمز على أنه خطوة منفردة يمكن مواجهتها عسكريًّا، بدلًا من اعتباره جزءًا من ديناميّة تصعيدية أوسع تصبح تكلفة احتوائها مرتفعة.
ثمّة أيضًا مسألة الاستدامة؛ فالإغلاق الكامل لمضيق هرمز –عبر زرع ألغام بحرية مثلًا– من شأنه أن يضفي شرعيةً على تنفيذ ردّ عسكري دولي مُركّز يهدف إلى إعادة فتحه. وتشير التقديرات الإيرانية نفسها إلى أن ورقة المضيق تكون أكثر فاعليةً عندما تُستخدَم بصورة انتقائية؛ أي كأداة مساومة وتعطيل انتقائي، لا كخطوة حاسمة واحدة. لذلك، يُفهم مضيق هرمز على نحو أفضل باعتباره عنصرًا محوريًّا ضمن مقاربة أوسع؛ فهو يضاعف تأثير تحرّكات إيرانية أخرى دون أن يكون بديلًا عنها.
ومن ناحية أخرى، يرى حميد رضا عزيزي، الزميل الزائر في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية في برلين، أن طهران اتّبعت مقاربةً هجينة تمزج بين مفهوم "الردع من خلال المنع"، الذي ارتكز على تأمين العمق الاستراتيجي عبر شبكة حلفائها الإقليميين، ومفهوم "الردع من خلال العقاب"، الذي تمحور حول التهديد بالردّ عبر هجمات صاروخية واسعة النطاق.
لكن من الناحية العملية، كشفت الحرب محدودية هذا النموذج؛ لذا ما تفعله إيران اليوم يشكّل محاولةً لإرساء معادلة ردعية جديدة تحت النار، تعتمد بصورة أوضح على "الردع من خلال العقاب" عبر الاستخدام الفعلي للصواريخ والمسيّرات، واستهداف البنى التحتية الحيوية، بهدف رفع تكلفة الحرب الراهنة وتكلفة أيّ هجمات مستقبلية.
ثانيًا، جرى تحويل الصراع بشكل متعمّد إلى حرب إقليمية؛ فإيران لا تتعامل مع المواجهة بوصفها نزاعًا ثنائيًّا، بل كصراع متعدّد الجبهات (لبنان، العراق، الخليج، الممرات البحرية) ضمن حيّز استراتيجي واحد، مما يتيح لطهران تشتيت موارد الخصوم وإرساء حالة دائمة من اللايقين. وثالثًا، يرتبط هذا التحوّل بتبنّي "منطق الاستنزاف" كاستراتيجية؛ فإيران لا تسعى لإنهاء الحرب سريعًا، بل تعمد إلى الحفاظ على مستويات الضغط لتغيير حسابات التكلفة والمنفعة لدى الخصوم، لفرض معادلة استراتيجية ترفع سقف المخاطر المترتّبة على شنّ هجوم ضدها.
ويبقى أن التصعيد يبدو أقرب في ظل تباعد المواقف وحالة "توازن الردع الهش"؛ فبينما تدعي أطراف الأزمة عدم رغبتها في الحرب، يستعد الجميع لها. المنطقة الآن تتحرك على حافة التصعيد وإدارة الأزمات، وليس نحو تسوية نهائية أو انفجار شامل، وعلى الأرجح ستستمر هذه الحالة ما لم تحدث صدمة استراتيجية تغير الحسابات، أو يفجر أحد الأطراف مفاجأة صاعقة.