من نيويورك تحكي هيلاري معاناتها النفسية عبر مشوار حياتها.. وتقول ضاقت بي الحياة.. وعجز راتبي عن قضاء تكاليف المعيشة ومصروفات أولادي الثلاثة في التعليم.. وهاجمني الاكتئاب والقلق.. وأنا في خضم هذا الظرف الصعب يهديني الله إلى الإسلام.. ولم يزدني الخوف إلا تمسكًا بالابتهال إلى الله.. وإذ يتبدل حالي إلى الأفضل.. وتتسلل الطمأنينة إلى قلبي، وليست هيلاري الوحيدة التي رافقتها السكينة حين تتوحد مع الله، فقد اعترف الآلاف بعد إسلامهم بتغيير حالهم من فوضى وقلق إلى استقرار وسكينة.
ولذا كان للإسلام السبق في تغيير حال الإنسان من الأسوأ إلى الأفضل بمجرد أن يتسلل إلى نفسه، وقد ألهمت الحضارة الإسلامية علماء المسلمين الأوائل الربط بين الجسد والروح والنفس، ويذخر القرآن الكريم بآيات عن ترويض النفس، يقول الله تعالى: "وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ"، وقال تعالى:"قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا"، وأسهمت الشريعة الإسلامية في تخلص النفس من مساوئها، وأهدت إلى المسلم مفاتيح الراحة النفسية، مما جعله شخصًا إيجابيًا نافعًا لمجتمعه.
واستشعر أطباء الحضارة الإسلامية تأثير النفس الإنسانية السوية في ضبط السلوك، وأثبتوا حقيقة أن المبادئ الإسلامية تٌحدث توازنًا نفسيًا، وقدموا روشتة علاجية تمزج بين التعاليم الدينية والأدلة العلمية، وبحثوا عن أساليب علمية لتنقية النفس من أمراضها في العلوم القديمة والإسلام، ويعد أبوبكر الرازي أشهر علماء المسلمين في وضع مبادئ الطب النفسي، وعند تأسيسه لأول مستشفى عرفه التاريخ البشري خصص جناحًا كبيرًا لعلاج الأمراض النفسية.
واجه علماء الإسلام عواقب كئودًا منذ البداية، فقد كان التعامل مع الأمراض النفسية في إطار الشعوذة والدجل، ونجحوا في تصحيح الصورة الذهنية عن المرضى النفسيين لدى عامة المسلمين، وينسب إليهم الفضل في استخدام أساليب علاجية كالموسيقى والروائح العطرية، وعلماء الإسلام وجدوا أن الشريعة تزخر بنصوص قرآنية ونبوية تخاطب الإنسان نفسًا وجسدًا وروحًا، والقرآن الكريم في مواطن عديدة تحدث عن الروح والنفس.
ويبرز دور إسحاق بن عمران كأحد رواد الطب النفسي في الحقبة الأولى من الحضارة الإسلامية، وأحدث إعجازًا في التعريف بهذا التخصص الجديد، وألف كتابًا بعنوان "مقالة في الماليخوليا"، ويعد من طليعة المراجع في هذا التخصص، وأرسى إسحاق أسسًا علمية في تشخيص أمراض الاكتئاب والوسواس، وفسر العلاقة بين الآثار النفسية والاضطرابات الجسدية، ووثق كذلك ظواهر عضوية ناتجة عن خلل نفسي، وتناول ابن عمران في كتابه عوامل الطبيعة البشرية وتأثيرها على المرض النفسي، وأول من خالف الكلام الشائع في عصره، والذي يدعي أن المرض النفسي والاكتئاب من الجنون أو عرض من سيطرة الجن.
وتتميز الحضارة الإسلامية بتعدد علمائها وتنوع تخصصاتهم وتفوقهم في التفرد العلمي والعقائدي، وكان من بينهم بل من أشهرهم العالم المخضرم ابن سينا، واشتهر كذلك ببراعته في شتى المعارف، وتفوق في دراسة علم الطب، وطرح شروحًا قيمة في مجال الطب النفسي، ونجدها في كتابه الأشهر "القانون في الطب"، وتناول في مرجعه العلمي تأثير الحالة النفسية على الصحة العامة للإنسان، واستعرض طرقًا علمية في علاج الأعراض النفسية.
وشهدت الحضارة الإسلامية إنشاء "بيمارستانات" أو مستشفيات في بغداد عاصمة الدولة العباسية، وتعود إلى القرن الثامن الميلادي، وظهر أول مستشفى نفسي في عهد هارون الرشيد، وأطلقوا عليه بيمارستان الرشيد، ويمثل المستشفى مؤسسة علاجية متكاملة، وحملت على عاتقها التعامل مع المرضى ورعايتهم بطرق إنسانية بعيدة عن الغلظة، ومارست عليهم أساليب علاجية متقدمة في مثل هذا الوقت، ووفرت لهم إدارة المستشفى أجواء هادئة.
وابتكر الرازي في كتابه الحاوي وسيلة لعلاج الأمراض النفسية من خلال السفر والرحلات إلى أماكن جديدة، وأتاحوا للمريض النفسي فرصة ممارسة الرياضة والصيد، واكتشف الرازي فضلها في سرعة التعافي، وحرص مهندسو الحضارة الإسلامية على توافر بيئة صالحة خالية من التلوث أثناء بناء المستشفيات، وراعوا في تصميم بنائها التهوية الجيدة، وزرعوا حدائق حول محيط المستشفيات، وشق المهندسون من خلالها قنوات للمياه الجارية، حتى تضفي أجواء من السكينة، وكان يصدح على جوانبها موسيقى هادئة، ولم يقتصر الاهتمام بالمرضى داخل البيمارستان فحسب، وإنما منحوا لهم مساعدات مالية فور خروجهم، لكي تؤهلهم للتكيف والاندماج مع المجتمع.
[email protected]