«تعرف إيه عن المنطق يا مرسي؟!»، سؤالٌ واضحٌ وبسيطٌ ومباشر، وجهتْه «الأستاذة عفت» المُدرِّسة لطالب الثانوي «مرسي الزناتي»، في مشهد مدته خمس دقائق بين الفنانين الكبيرين سهير البابلي وسعيد صالح، في مسرحية «مدرسة المشاغبين» عام 1971، التي لا تزال تنتزع ضحكات المشاهدين بعد مرور 55 عامًا عليها، رغم أنها تُتهم دائمًا بأنها أفسدت التعليم في مصر، فهل كان هذا صحيحًا أم أن مسار العملية التعليمية نفسها على مدى قرنين من الزمان كان «ضد المنطق»؟!
الكلمتان الأخيرتان، حملهما غلاف كتاب صدر حديثًا للكاتب المحترم، الباحث الجاد، محمد توفيق، بعنوان: «ضد المنطق.. قصة التعليم المصري من محمد علي باشا إلى إمبراطور الفيزياء». وهو الكتاب الذي استلزم من كاتبه أن يخوض رحلة بحث، أو الأدق: سباحة وسط بحر متلاطم من المعلومات، بين المراجع التاريخية النادرة في مكتبة الإسكندرية، والميكروفيلم في دار الكتب المصرية، وأرشيف الصحف، والمذكرات المجهولة، والوثائق المنسية، والشهادات المدرسية، وعقود تعيين المدرسين المصريين والأجانب، على مدى مائتي عام.
واستهدفت الرحلة البحث عن شيء واحد ومحدد.. هو الأثر!
أثر التعليم.. ما هو؟!.. وللشرح والتوضيح؛ يعيد الكاتب الأمور إلى أصولها، فيقول إن التعليم لا يعني الذهاب إلى المدرسة، وكتابة الواجبات، ودفع المصروفات، وارتداء الزي الرسمي المحدد، وحمل حقيبة ثقيلة فوق الظهر، والحصول على دروس خصوصية، وشراء كتب خارجية، والوقوف في طابور الصباح، وأداء الامتحانات، والتحايل على المراقب، والحصول على مجموع كبير، وتعليق الشهادة على حائط بالمنزل.. التعليم لا يعني كل هذا.
ماذا يعني «التعليم» إذن؟!.. يجيب الكاتب موضحًا أن الكلمة في اللغة أصلها «علم»، وأن العلم هو الأثر، فإن لم يكن للتعليم أثر حقيقي في نفسك وعقلك وشخصيتك وسلوكك؛ فأنت لم تتعلم شيئًا حتى وإن حصلت على أعلى الشهادات الدراسية.. التعليم هو التغيير الذي يطرأ على حياتك فيبدلها من حال إلى حال.. هو الفهم والتنوير.. فهل تحقق هذا الأثر المرجو من العملية التعليمية في مصر على مدى قرنين؟!
علامة التعجب الأخيرة، وضعتُها أنا في ضوء قراءتي الكتاب، أما المؤلف محمد توفيق الذي شغل باله السؤال ودارت الفكرة في رأسه لسنين منذ أن كان عام 2007 محررًا صحفيًّا مختصًّا بالتعليم، فلم ينطلق في دراسته من أفكار مسبقة أو آراء مصمتة، إنما قام بإجراء بحث علمي رصين سعيًا للوصول إلى إجابة السؤال، حول أثر التعليم، باستخدام علامة الاستفهام فقط.
ولعل كلمتي «بحث علمي» من شأنهما الآن - ونحن نتحدث في مضمار العلم والثقافة والتنوير- أن تؤديا إلى انصراف كثيرٍ من القراء عن محاولة الاطلاع على الكتاب؛ فالناس عمومًا -أو أغلبهم- لا يحبون الأبحاث والمعلومات والأرقام، ولا يُقبلون على معرفة التاريخ لأجل فهم الحاضر واستشراف المستقبل، لا يميلون إلى إجهاد عقولهم بالتنقل بين الوقائع والأفكار المتناقضة بهدف بناء رؤية، إذ يكفي «بوست» صغير على فيسبوك، وإن يكن في سطرين، ليستخلصوا منه عصارة الحكمة.. الجماهير لا تحب العلم من الأصل!
لكن ما سبق كله، برغم أنه موجود في الكتاب بالفعل، كنتيجةٍ لجهد كبير قام به الكاتب، إلا أن المهم هنا هو القالب.. فقد اعتمد «توفيق» في كتابه قالب الحكي؛ الحكي فحسب، فصنعَ خلطة جاذبة، يتلذذ القارئ - عبر الصفحات- بالتهامها، دون أن يشعر بما يترسب داخله من فائدة، من أثر.
وهنا تأتي أهمية الصحافة.. وأثرها في الكتابة مهما يكن جنس النص؛ علمي أو بحثي أو أدبي؛ فمؤلف الكتاب صحفيٌّ في الأساس، والصحافة تعلمنا دومًا ألا نكتب في الفراغ، فنحن لا ندوِّن خواطر لأنفسنا، ولا نخاطب علماء، ولا نعقد الأمور بحثًا عن إشادة نقاد، إنما نتوجه إلى قارئ عام، نتخيله، ننتظره، نتصارع معه -بحب- في حلبة النص، ونضع أمامنا -ونحن نكتب- تحديًّا رئيسيًّا لا نغفله، وهو أن يمسك العمل؛ أيًّا ما كان جنسه، بتلابيب القارئ، لا يفلته، حتى آخر سطر.
وهذا ما فعله محمد توفيق في كتاب «ضد المنطق»، إذ يروي قصة التعليم في مصر، بأسلوب جاذب للغاية، ساخر أحيانًا، مؤلم أحيانًا، محبب في كل الأحوال، فيُعرِّف القارئ بالكثير، المثير، من الوقائع والمعلومات.
منها ما يتعلق بتطور وسائل الغش في الامتحانات، ومَن هو أول من اخترع فكرة الكتاب الخارجي، وتاريخ الصراع بين وزارة التعليم وتجار الكتب الخارجية، ومتى وكيف بدأت الدروس الخصوصية، وصيغة الطلب الرسمي الذي كان لزامًا على المدرسين في بدايات القرن العشرين أن يتقدموا به إلى الوزارة للموافقة على إعطاء درس خصوصي في منزل، ومَن هو الشخص الذي صرح بأنه كان يكره المدرسة وهو صغير ثم صار وزيرًا للتربية والتعليم!
يقول الكاتب في كتابه بحسم، من أول سطر: «إذا أردتَ أن تبني وطنًا فعليك أن تبدأ بالتعليم.. وإذا أردت أن تهدمه فلا سبيل أمامك سوى التعليم».
نعم -يضيف موضحًا- فالتعليم عندما يتحول إلى تجهيل، ويسهم في التكفير، ويبتعد عن التفكير، ويركز على الحفظ والتلقين، فينسى المتعلم ما تعلمه بمجرد مغادرة لجنة الامتحان، وعندما لا يؤثر في سلوك الطالب، ولا يرتقي بالمعلم، وعندما يُبنى على الغش، ويعتمد على التسريب؛ فإنه عندئذ يمكن أن يكون سببًا في هدم الأوطان.
وعندئذ أيضًا، في رأي كاتب هذه السطور الذي استمتع بقراءة كتاب «ضد المنطق» لمحمد توفيق، تكون إجابة «مرسي الزناتي» عن سؤال مُدرسته «منطقية» للغاية، عندما قال لها بعد جهد جهيد: «أعرف إن لما واحد يضرب واحد على دماغه يقع مايحطش منطق».. يبدو بالفعل أن هذا هو «المنطق»، وهذه هي النتيجة، في ضوء مسار التعليم!