في لحظة إقليمية ودولية تتسم بتسارع التحولات التكنولوجية وتزايد أهمية المعرفة؛ كرافعة للقوة الشاملة للدول، يبرز التعاون العلمي والتكنولوجي بين مصر وتركيا كأحد المسارات الواعدة لإعادة تشكيل معادلات التنمية في المنطقة.
هذه هي الخلاصة التي توصلت إليها بعد تجربة عملية مررت بها مؤخرًا خلال زيارة مركز توبيتاك مرمرة للأبحاث TÜBİTAK Marmara، بالقرب من مدينة إسطنبول التركية، في السابع والعشرين من مارس الماضي.
جاءت هذه الزيارة بدعوة من إدارة الاتصال في رئاسة الجمهورية التركية بالتزامن مع استعدادات أنقرة المكثفة لاستضافة مؤتمر المناخ (كوب 31). وهو الأمر الذي جعلها نافذة مهمة لفهم "العقل المؤسسي" للدولة التركية، التي تنظر إلى العلم باعتباره أداة إستراتيجية، وليس مجرد نشاط أكاديمي وبحثي.
ولعل من أهم ما كشفت عنه هذه الزيارة هو أن ما سيُقال في قاعات المؤتمرات الدولية لكوب 31 لتحقيق الطموحات البيئية والتنموية له جذور عميقة تُزرع في المعامل، حيث تُصاغ الأفكار قبل أن تتحول إلى سياسات واستثمارات.
ولعل هذا، بالتحديد، هو ما يدفعني إلى القول إن التعاون العلمي والتكنولوجي بين مصر وتركيا أصبح أقرب إلى ضرورة تفرض نفسها، لا إلى خيار يمكن تأجيله. فنحن أمام دولتين، لكل منهما عناصر قوة مختلفة، لكنها قابلة، إذا ما أُحسن استخدامها، لأن تتكامل.
فمصر، بتاريخها وموقعها ومواردها، تمتلك ما يمكن أن نسميه "جغرافيا الفرص"، خاصة في مجال الطاقة، سواء التقليدية أو المتجددة، وتركيا، بخبرتها المؤسسية، تمتلك ما يمكن وصفه بـ"منهجية التحويل"، أي القدرة على نقل المعرفة من حيز الفكرة إلى حيز الإنتاج.
ولعل قطاع الطاقة يقدم المثال الأكثر وضوحًا لهذا التلاقي الممكن بين المصريين والأتراك، ليس فقط في مشروعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وإنما أيضًا في مشروعات الهيدروجين الأخضر، ومشروعات الشبكات الذكية التي تعيد توزيع الطاقة بكفاءة، ومشروعات تقنيات تخزين الطاقة، وكل هذه المشروعات ليست مشروعات يمكن لدولة أن تنفرد بها بسهولة، بل هي بطبيعتها مشروعات شراكة، تتقاسم فيها الأطراف التكلفة والخبرة والمخاطر.
كما أن فرص التعاون التكنولوجي والعلمي بين القاهرة وأنقرة لا تقتصر على الطاقة وحدها؛ فهناك مجالات أخرى لا تقل أهمية، مثل معالجة المياه، والتقنيات البيئية، والمواد المتقدمة، إضافة إلى التعليم العالي والبحث العلمي، ويمكن لهذه القطاعات أن تشكل منصة متكاملة لنقل التكنولوجيا وتوطينها في مصر، من خلال برامج مشتركة للتدريب والبحث، وتبادل الخبرات، وبناء القدرات البشرية.
ومن الأبعاد المهمة لإنجاح هذا التعاون، ضرورة إشراك القطاع الخاص وحاضنات الشركات الناشئة والدول الكبرى الصديقة للبلدين مثل اليابان والاتحاد الأوروبي والصين وغيرها، بما يضمن تحويل البحث العلمي إلى قوة اقتصادية مباشرة. فالتجربة التركية تشير بوضوح إلى أن نجاح منظومة الابتكار لا يعتمد فقط على المؤسسات الحكومية، بل على التكامل بين الدولة والقطاع الخاص والجامعات، في إطار منظومة ديناميكية تربط بين المعرفة والسوق.
ومع ذلك، فإن الطريق نحو شراكة علمية وطاقوية فعالة بين مصر وتركيا لا يخلو من التحديات؛ حيث توجد اختلافات قائمة في النظم الإدارية والقانونية، إلى جانب الحاجة إلى توفير تمويل مستدام للمشروعات البحثية المشتركة، كما تبرز أيضًا مسألة إدارة الملكية الفكرية كواحدة من أكثر القضايا حساسية، حيث يتطلب الأمر وضع أطر قانونية واضحة تضمن حماية الحقوق، وفي الوقت ذاته تشجع على تبادل المعرفة.
ومن جهة أخرى، لا يمكن أيضًا إغفال الفروق الثقافية في أساليب العمل، والتي قد تؤثر على كفاءة الفرق البحثية المشتركة، إلا أن هذه التحديات، في جوهرها، ليست عوائق بقدر ما هي عناصر تحتاج إلى إدارة إستراتيجية واعية، ويمكن التعامل معها من خلال إنشاء مجلس علمي مصري تركي مشترك يحدد أولويات التعاون، وتطوير برامج تمويل ثنائية، ووضع آليات دقيقة لقياس الأداء، تشمل مؤشرات مثل عدد براءات الاختراع، ومستوى الإنتاجية العلمية، والعوائد الاقتصادية للمشروعات.
ومن ناحية ثانية، يبقى البعد السياسي عاملًا حاسمًا في نجاح هذا المسار التعاوني في مجال الطاقة والتكنولوجيا. فالتقارب بين القاهرة وأنقرة يوفر بيئة مواتية لتوسيع آفاق التعاون، بينما قد يؤدي غياب التنسيق إلى إضعاف الجهود المبذولة، ومن ثم، فإن التعاون العلمي والتكنولوجي والطاقوي لا يمكن فصله عن السياق السياسي الأوسع، بل يتطلب إرادة مشتركة تدرك أن الاستثمار في المعرفة هو استثمار في النفوذ والاستقرار.
وفي المحصلة، يمكن القول إن التعاون التكنولوجي والطاقوي بين مصر وتركيا يمثل فرصة تاريخية لإعادة صياغة نماذج التنمية في المنطقة، على أسس قائمة على الابتكار والمعرفة، وإذا ما أُحسن استثمار هذه الفرص الواعدة في ظل التقارب المتزايد بين الرئيسين عبدالفتاح السيسي، ورجب طيب أردوجان، من خلال رؤية إستراتيجية واضحة وآليات تنفيذ فعالة، فإن هذه الشراكة يمكن أن تتحول إلى نموذج إقليمي يُحتذى به.
* رئيس وحدة العلاقات الدولية وبرنامج دراسات الطاقة في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، وزميل كلية الدفاع الوطني في الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والإستراتيجية