زلزال في البيت الأبيض

5-4-2026 | 15:12

دخلت الحرب شهرها الثاني والتصعيد مستمر.. وجاء خطاب ترامب المتأخر، وكان جديرًا أن يأتي في أول الحرب لا منتصفها، لا ليهدئ أو ليبث الطمأنينة، وإنما ليهدد ويثير القلق لدى جميع الأطراف..

خطاب قال عنه معلقون أمريكيون إنه ليس إلا مجرد تجميع لعدد من تصريحات ترامب الإعلامية ورسائله السابقة على السوشيال ميديا، يعلن فيه انتصارًا كاذبًا زائفًا، ويدعي أنه دمر الدفاعات الجوية لإيران، مهددًا إياها بالثبور وعظائم الأمور!

الخطاب كان نقطة فارقة فى الحرب، لا لأهمية خاصة فيه، وإنما لأنه كان معبرًا تمامًا عن حالة التخبط فى الإدارة الأمريكية اليوم. بدليل أن ما حدث بعد الخطاب هائلًا وغير متوقع وغير مسبوق فى تاريخ أمريكا!

مصائد الطائرات

ثمة تغيرات تكتيكية خطيرة حدثت فى أعقاب خطاب ترامب الكارثي.. أهم تلك التغيرات ما تابعه العالم كله من استنفار الدفاعات الجوية الإيرانية التي ادعى ترامب أنه دمرها بالكامل؛ فإذا بها تهب لتسقط عددًا غير مسبوق من الطائرات الأمريكية الأكثر تطورًا.. 

ففي أقل من يومين تم إسقاط طائرات مسيرة من طراز هيرميس وإم كيو 9، وطائرات هليكوبتر بعضها ضرب على الأرض، ثم جاءت الطامة الكبرى بإسقاط طائرة شبحية تم إنقاذ طياريها..

كوارث متتالية سقطت على رأس هؤلاء الذين يديرون الحرب بمنطق عنتري لا يضع فى الحسبان أن إيران تتلقى دعمًا مستمرًا من روسيا والصين. وأن تلك الهبة المفاجئة فى الدفاعات الإيرانية تشير بكل وضوح لهذا الدعم اللامحدود، والذي سوف يمرغ أنف أمريكا فى وحل حرب استنزاف قد تتفوق في تأثيرها المدمر للجيش الأمريكي على حربي فيتنام وأفغانستان..

معني هذا أن إيران تمعن في التأكيد على أنها هي المتحكمة في مجريات الحرب لا أمريكا؛ وهذا أمر من عجائب الزمن ونوادره؛ حيث استطاعت دولة محاصرة منذ أربعين عامًا وضدها عقوبات أمريكية خانقة أن تركع جيش أقوى دولة فى العالم، وبإمكانات لا تقاس بإمكانيات أمريكا الهائلة!!

إقالات بالجملة

الأدهى ليس ما حدث فى ميدان المعركة؛ بل ما حدث فى الداخل الأمريكي.. الشارع الأمريكي والإعلام فى صدمة بعد إقالة رئيس أركان الجيش "راندي جورج" والجنرال "ديفيد هودن"، بعد سلسلة من الإقالات التي جاءت قبل الحرب، فى أعقاب تولي ترامب للسلطة، فى إطار إعادة تشكيل هيئة الأركان فى الجيش، وسيطرة الإدارة الأمريكية بالكامل على مجريات الحرب الإيرانية من خلال إقالة الحرس القديم وتعيين المتفقين فى الرأي مع الإدارة الحالية وعلى رأسها وزير الحرب الأمريكي الحالي "بيت هجسيث".

إنها ليست الإقالة الوحيدة ولا الأخيرة، بل يبدو أن إدارة ترامب تريد مزيدًا من إحكام السيطرة من خلال اختيار مسئولين أكثر مرونة وأقل إثارة للجدل؛ فعلى مستوى التشكيل الحكومي، تمت إقالة وزيرة الأمن الوطني "كريستي نوم"، ووزيرة العدل "بام بوندي" بما يشير إلى حالة من التخبط والارتباك داخل الحكومة الأمريكية من جراء الحرب على إيران..

كل هذا حدث خلال الساعات التي أعقبت خطاب ترامب! وما يحدث في الشارع والإعلام أسوأ..

غليان الرأي العام

ثمة ضغوط هائلة أخرجت الشارع الأمريكي عن شعوره؛ فخرج فى تظاهرات مليونية تحت شعار "لا ملوك- No Kings" والدعوة مستمرة لمليونية أكبر قادمة يتزعمها ويدعو لها الممثل الأمريكي ذائع الصيت: "روبرت دي نيرو"! 

أسعار النفط المتزايدة تسببت في تضخم كبير في أسعار السلع ألهبت جيوب المواطن الأمريكي وأثقلت ميزانيته الشهرية، وهو أمر يتفاقم باستمرار مع إطالة أمد الحرب. والبورصة العالمية تتأرجح يوميًا قبل وبعد تصريحات ترامب التي تعد بانتهاء الحرب، ثم تهدد وترسل قوات إضافية وتشن غارات متلاحقة على إيران بما يؤجج نيران المعركة التي تبدو بلا أفق قريب للنهاية. كل هذا جعل أسهم الشركات الكبري تخسر عالميًا ما يوازي 12 تريليون دولار خلال شهر واحد، بلغ نصيب الشركات الأمريكية من تلك الخسارة ما يقرب من ثلثها؛ حتى إن شركة جوجل، البعيدة نوعيًا عن مجريات الحرب، فقدت نحو 15% من أسهمها!

كل هذا دعا نواب الكونجرس، وبعضهم من الجمهوريين، إلى السعي لرفض التمويل الذي يطلبه ترامب لاستمرار الحرب، البالغ 200 مليار دولار، مؤكدين أن هذا التمويل سوف يقتطع من ميزانية الصحة والتعليم، وهو ما يدعم وجهة النظر القائلة إن "شعار أمريكا أولًا" محض كذب وخداع، وأن أمريكا انجرت إلي حرب لا داعي لها تحت ضغط بنيامين نتنياهو، ما يعني أن شعار الحرب هو "إسرائيل أولًا"، وأن هذا الشعار لا يجب أن ينتصر داخل الكونجرس ليدعم ميزانية الحرب ويقتطعها من اللحم الحي للمواطن الأمريكي!

لهذا خرجت بعض التقارير الصحفية، ومنها تقرير نشرته السي إن إن، لتؤكد أن 75% من الشعب الأمريكي يؤيد الدعوة إلى عزل الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" من منصبه! فمن سينتصر في هذه المعركة الداخلية القائمة في أمريكا الآن: ترامب أم الشعب؟

حرب العصابات

أكثر من هذا أن الميليشيات يتعاظم دورها أكثر فأكثر كلما امتد أمد الحرب..

فما إن خصصت إيران جائزة قيمتها نحو عشرين ألف دولار لمن يأسر طيارًا أو جنديًا أمريكيًا، حتي انتشرت ميليشيات القبائل الإيرانية على قمم الجبال، وفى أيديهم مدافع وقاذفات قنابل لاصطياد الطائرات الهليكوبتر المخترقة للأجواء.. هكذا دخلت الميليشيات الإيرانية على خط قتال السماء والدفاع عن الأجواء! 

وعلى الطرف الآخر كمُنَت اليمن بصواريخها ومسيراتها في انتظار لحظات خاطفة تقتنص بها سفينة عابرة أو تقصف هدفًا إسرائيليًا خطيرًا. والأخطر لم يأتِ بعد..

فبمجرد أن تفكر أمريكا فى تنفيذ خطتها، التي أقيل رئيس القوات البرية بسببها، ويبدأ الجنود الأمريكيون الذين يتدفقون على المنطقة من أجل غزو إيران بريًا، سوف تبدأ حرب عصابات خطيرة شبيهة بالحرب القائمة الآن فى جنوب لبنان، وسوف يصبح الحلم الصيني بانغماس أمريكا أكثر وأكثر فى وحل الحرب حقيقة ماثلة تهدد هيبة الإمبراطورية الأمريكية فى مقتل..

سيناريوهات مفزعة

لاشك أن القادم أخطر.. فالتهديد باستهداف مفاعل بوشهر الإيراني، والبنية التحتية الحيوية بإيران، هو تهديد مباشر للخليج ومقدراته وكينونته؛ إذ لو تأذت إيران بشدة سوف تؤذي جيرانها أشد الإيذاء. ولن يكون ثمة رابحين فى مثل تلك المعركة الصفرية..

والتهديد بحرب برية تغزو فيها أمريكا سواحل إيران أو بعض جزرها هو تهديد عكسي يسمح لإيران بفعل المثل، بأن تجد مبررًا لغزو سواحل قريبة منها لإتمام السيطرة على مضيق هرمز من جانبيه، وهنا سوف تتضاعف الخسائر بما يهدد مصير دول خليجية بأكملها..

ولعل أخطر تهديد قائم هو التهديد النووي. وقد تم بالفعل ضرب محيط مفاعل بوشهر أربع مرات حتى الآن، وكذلك محيط مفاعل ديمونة، ولو حدث استهداف مباشر لأحدهما ولو بالخطأ فسوف تغرق المنطقة فى رعب تسريبات إشعاعية فى الماء والهواء، بما يهدد البقاء لشهور وسنوات قادمة، وقد ينجر العالم بأسره لحرب نووية تقضي على الأخضر واليابس..

العقلاء يتكلمون عن ضرورة الدفع بمسيرة تفاوضية أثبتت فشلًا ذريعًا، إذ إن كل طرف من أطراف الحرب يغرد فى واد منفصل عن الطرف الآخر، ولا وجود لرغبة في تنازل أو تقارب لوجهات النظر! 

للأسف فإن ما يبدو في الأفق أن الحرب تزداد اشتعالًا، والخسائر تتضاعف لدى كل الأطراف، والخليج يدفع فاتورة باهظة لحرب لم ينادِ بها، وسوف يدفع العالم كله ثمن حروب اعتاد أباطرة السلاح تأجيجها من حين لآخر؛ لتحقيق مكاسب شخصية ضيقة، ولو على حساب الشعوب الآمنة!

[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة