الحرب وسباق التسلح

5-4-2026 | 15:25

حرب أمريكا وإسرائيل على إيران والتي دخلت شهرها الثاني كانت كاشفة لتحولات كبرى في النظام العالمي الذي انهار تمامًا بفعل غطرسة القوة التي تتبعها الولايات المتحدة، ما ينذر بمستقبل يحمل معه المزيد من الأزمات للشعوب، وخصوصا تلك المسماة بالعالم الثالث؛ إذ إن غياب أو تغييب القانون الدولي في التعاطي مع القضايا والأزمات الدولية والتوجه نحو القوة كسلاح في النزاعات فرض على دول العالم الإسراع نحو التسليح بوتيرة غير مسبوقة؛ عبر زيادة الإنفاق الدفاعي على حساب احتياجات الشعوب من الغذاء والدواء والإيواء وغيرها من متطلبات ومشروعات تنموية وخدمية تعلي من جودة الحياة المعيشية للناس.  

فقد كشفت تقارير دولية عن تنامٍ ملحوظ خلال الشهور الماضية في الإنفاق الدفاعي والتسليح في العديد من الدول، ما يشير إلى توجه العالم إلى سباق تسلح ستكون له نتائج وخيمة على الاستقرار الدولي؛ خصوصًا في ظل تراجع دور المنظمات الدولية، وفشل مجلس الأمن في التعامل مع الأزمات، وانخراط الدول الكبرى في النزاعات الدولية، كما يحدث حاليًا في حرب أمريكا على إيران وروسيا مع أوكرانيا، وتدهور العلاقة بين دول الناتو، وهي كلها مؤشرات على مخاطر متصاعدة تتقاطع خيوطها وتتصادم أهدافها عند نقطة واحدة وهي التوجه نحو المزيد من الصراعات المسلحة.
  
أحدث الأرقام تقول إن إنفاق العالم على التسليح قفز إلى نحو ٣ تريليونات دولار في 2025 وسط توقعات بارتفاعات قياسية في ميزانيات الدفاع للعام المقبل، وتأتي أمريكا التي تقود العالم نحو العسكرة بميزانية تسليح غير مسبوقة؛ بعد أن طلب البيت الأبيض من الكونجرس الموافقة على تخصيص مبلغ 1.5 تريليون دولار للإنفاق الدفاعي في السنة المالية 2027، وهذا المبلغ في حال إقراره سيشكل أعلى رقم مخصص في تاريخ أمريكا بزيادة 40% عما أنفقته الولايات المتحدة على التسليح  في هذه السنة المالية.

وقالت الإدارة الأمريكية إنها تنوي مع  الزيادة المقترحة للتسلح إجراء تخفيضات بقيمة 73 مليار دولار في مجالات أخرى عبر إلغاء بعض برامج المناخ والإسكان والتعليم، وهو ما يشير إلى أن زيادة الإنفاق الدفاعي تعني تخفيض تمويل مشروعات التنمية المدنية، وبالطبع تندرج هذه القاعدة على كل الدول التي تتجه إلى التسليح ما يرفع من فرص تفاقم الأزمات الاقتصادية، وزيادة أعباء الديون التي تدفع فاتورتها الشعوب. 

وتكفي الإشارة إلى أن بعض الدول أنفقت في المتوسط 2% من ناتجها على الدفاع خلال 2025، بينما قفزت دول في حالة حرب مثل أوكرانيا إلى مستويات قياسية بلغت 21% من الناتج القومي، فيما بلغ إنفاق روسيا 6%، بينما بدأت دول الاتحاد الأوروبي -وفي مقدمتها ألمانيا وبولندا وبريطانيا- في زيادة الإنفاق الدفاعي بأرقام غير مسبوقة، وبالتوازي قررت دول الناتو زيادة الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج وهو ما يزيد من تمويل برامج التسليح في دول الحلف.  

وفي منطقتنا لا يمكن تجاهل التداعيات التي فرضتها الحرب الدائرة حاليًا، وما ستخلفه من نتائج على الأمن القومي العربي تتطلب إعادة هندسة الدفاع في المنطقة، ومراجعة مفهوم الأمن القومي، وعلاقات الدول العربية والخليجية إقليميًا ودوليًا، ولعل ما جرى من هجوم إيراني على دول الخليج، وتنامي أطماع الكيان الإسرائيلي في المنطقة، وسعيه لإعادة رسم  خريطتها؛ بما يحقق له التوسع ويضمن له التمدد وبسط النفوذ الإقليمي على حساب الأراضي العربية، يتطلب فعل عربي خليجي مشترك يصون الأمن العربي، ويحافظ على مقدرات الأمة، في عالم يتجه نحو شريعة الغاب، وقد بدأت بعض دول الخليج بالفعل في دعم أنظمة الدفاع لديها عبر الدخول في اتفاقيات تعاون مع دول تمتلك قدرات وأنظمة دفاعية متطورة.   

المؤكد أننا أمام عالم جديد يتطلب التحوط والاستعداد لأي تطورات غير مرغوب فيها، في ظل ما نشهده من تحركات وتصرفات مجنونة لقوى دولية فقدت كل القيم الإنسانية، وترى في هذه المنطقة ساحة لأطماعها ومخططاتها الشيطانية.
 
ولعل هذه التطورات التي نشهدها في المنطقة منذ الحرب على غزة، وحتى العدوان على إيران تؤكد حكمة وبعد نظر القيادة السياسية، التي أولت قضية بناء القوات المسلحة أهمية كبرى، واستطاعت مصر -خلال سنوات معدودة- امتلاك القدرة الشاملة تنمويًا وتسليحيًا ما جعلها تحافظ على استقرارها وتصون أمنها ومقدرات شعبها، وسط هذه الفوضى التي تضرب العالم. 

حفظ الله مصر وجيشها العظيم 

[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: