أعتقد أن كل عاشق للثقافة يرغب في تحقيق فكرة كالتي فعلها هرناندو جوانلاو وهو ناشط ثقافي فلبيني، واشتهر بلقب "مانج ناني"، الذي حوَّل بيته إلى مكتبة عامة مجانية، مفتوحة لكلّ من يريد أن يقطف كتابًا.
في مدينة مثل مانيلا الفلبينية، حيث كل شيء قابل للضياع، قرر ناني أن يقاوم بطريقة لا تشبه أحدًا، أسس مكتبة على الرصيف نتج عنها فيما بعد "مكتبات رصيف فلبيني"، في عام 2000، وبعد رحيل والديه، لم يفعل ما نفعله عادة، لم يكتفِ بالحزن، ولم يكتفِ بالذكريات، بل أخذ 50 كتابًا فقط، ووضعها أمام منزله في الشارع في كالوكان (مدينة فلبينية)، وكتب جملة تبدو بسيطة، لكنها تهز فكرة الملكية من جذورها: اقرأ، وإن شئت أعد الكتاب، وإن شئت احتفظ به.
هنا يبدأ السؤال، لا الحكاية: هل يمكن أن تقوم المعرفة على الثقة؟ وهل الإنسان أمين إلى هذا الحد، أم أننا نظلمه حين نشك فيه؟
مرت 26 عامًا، ولم تتوقف الفكرة، بل كبرت كما تكبر الأشياء الصادقة، من 50 كتابًا إلى أكثر من 100 ألف كتاب مرّت من هذا المكان، بيت صغير من طابقين لم يعد بيتًا، بل صار ذاكرة مفتوحة، جدرانًا من ورق، وسلالم تصعد عليها المعرفة قبل أن يصعد الناس.
لا بطاقات، لا غرامات، لا سجلات، وكأن الرجل فهم ما لم تفهمه المؤسسات: أن الكتاب يُحب أن يُعامل كبطل أسطوري بدون بطاقات أو هويات.. هو وحده يكفي.
ناني على دراجته القديمة، يحمل الكتب إلى أماكن لا مكتبات فيها، إلى أطفال لا يعرفون شكل الغلاف، كأنه يوزع فرصة، لا كتابًا، وكأنه يجيب عن سؤال لم يُطرح: ماذا يحدث لو وصل الكتاب إلى من لم يكن ينتظره؟.. إلى فقير يبحث عن كتاب وكتاب يبحث عمن يقرأه.
كتبت من قبل مقالًا عن فنان عراقي تحت عنوان: (رمزيات وفاء بلال) وكيف حول مكتبة فارغة إلى مكتبة كبيرة وملهمة.. فالعالم مليء بأناس مثل ناني وبلال قررا أن يقاوما الغياب المعرفي لا بالبكاء عليه، بل بتحويله إلى شكل آخر من الحضور.
الفنانة إميلي جاسر -فنانة تشكيلية فلسطينية- لم تستعد مكتبة مسروقة، بل أعادت كتابة غيابها، وكأنها تقول إن ما فُقد لا يعود، لكنه يُروى. وهناك الفنان والناشط الحقوقي الصيني وآي ويوي.. لم يكتفِ بحصر ضحايا أحد الزلازل المفجعة، بل أعاد لهم أسماءهم، عبر توزيع كتب كثيرة ومهمة ومطلوبة.. لأن رقم الوفيات ينسى، أما أسماء الضحايا على الكتب فتعيش ولا تموت.
وهناك ثيستر جيتس فنان أمريكي، الذي أنقذ مكتبات مهجورة، وأعاد لها الحياة.. كل أولئك يعكسون أن الكتب تموت ببطء نادر في انتظار ذرة هواء أو فكرة لتحييها، أو تمد لها يد العون في اللحظة الأخيرة.
وما فعله "مانغ ناني" شيء أكثر هدوءًا، وربما أكثر خطورة، لم يرمم مكتبة، ولم يوثق كارثة، ولم يفتح دكانًا، فقط فرش كتبه على الرصيف.. لا يهم.. وقال للناس: تعالوا إليَّ، وصدق في البشر وقدرهم على إعادة الكتب بعد قراءتها، فجاء إليه ملايين القراء، ثم ملايين المتبرعين، حتى وصل إلى 100 ألف كتاب وعشرات الأفرع من "مكتبات الرصيف".