في ظل أصوات القذائف وأزيز الطائرات تتركز اهتمامات المتابعين على عدد القتلى والجرحى، وحجم دمار المنشآت، وتتوارى حسابات الأرباح، والخسائر الاقتصادية للمتحاربين المباشرين، والمتأثرين بالحرب الأمريكية الإيرانية، فوراء دخان المعارك يوجد صراع أكثر خطورة على الطاقة وعصبها البترول والغاز، ما قام به الرئيس ترامب في فنزويلا ثم تردده الملحوظ في الإعلان عن أهداف الحرب على إيران لا تنفي هدفًا إستراتيجيًا تسعى أمريكا لتحقيقه يتمثل في مواجهة المخاطر الحقيقية التي تهددها باعتبارها الدولة القائدة للعالم.
هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي إبان حرب أكتوبر المجيدة أعلن بوضوح أن وجود النفط بالمنطقة العربية خطأ جغرافي ستعمل أمريكا على تصحيحه، أمن الطاقة للولايات المتحدة الأمريكية هدفًا غير قابل للمخاطرة، قوة أمريكا تعتمد بشكل أساسي على ما تمتلكه، أو تديره من مصادر الطاقة المهندس سامح فهمي وزير البترول الأسبق، أحد الخبراء المتميزين في قطاع الطاقة أكد في حديثه معي العديد من الحقائق المرتبطة بوضع الولايات المتحدة الأمريكية بتروليا؛ حيث يبلغ متوسط إنتاجها نحو٢١ مليون برميل يوميًا، وتحصل من كندا على ٦ ملايين برميل أخرى بسعر تفضيلي، بينما يبلغ استهلاكها ١٦ مليون برميل وتصدر نحو ٤ ملايين برميل يوميا محققة أرباحًا كبيرة من ارتفاع الأسعار، الهدف الأهم لأمريكا ليس عوائد التصدير ولكن مواجهة تأكل احتياطياتها والتي تكفي وفقًا للمعطيات الحالية الاستهلاك المحلي لمدة ٦ سنوات فقط، ومن ثم فإن تأمين هذا الاحتياطي يظل الهدف الأسمى.
بجوار أمريكا رابحون آخرون على قمتهم روسيا التي تصدر بترولها حاليا بأسعار مرتفعة محققة مكاسب اقتصادية كبيرة، وتظل الصين محتفظة باحتياطي يقدر بأكثر من مليار و ٣٠٠ مليون برميل متنوعة المصادر، دول الخليج العربي لا يمكن تصنيفها ضمن الرابحين حتى مع ارتفاع عائداتها من التصدير لأن استفادتها مشروطة بأن تكون الحرب بعيدة عن موانئها، وممراتها البحرية.
مصر قد تربح سياسيًا كوسيط إقليمي مهم، لكنها من الخاسرين اقتصاديا لأن ارتفاع أسعار الطاقة يضغط على فاتورة الاستيراد، ويزيد أعباء التضخم، والأخطر أن أي امتداد للحرب ينعكس مباشرة على إيرادات قناة السويس بأهميتها الإستراتيجية للاقتصاد المصري. المهندس سامح فهمي قال إن هدف أمريكا الأكبر هو السيطرة على الاحتياطات البترولية الكبيرة ذات التناقص الضعيف مثل فنزويلا وإيران وليبيا ونيجيريا والعراق، ومن ثم فإن أمريكا، وهي تنهي هذه الحرب عسكريا تخطط للخروج باتفاقيات طويلة الآمد بأسعار تفضيلية تضمن لها تلبية احتياجاتها المتزايدة من البترول، والحفاظ على احتياطياتها دون انتقاص باعتبار ذلك هو طوق النجاة لاقتصادها المنهك، وأظن أن إيران لن تكون المسرح الأخير للحروب الأمريكية.