قال السلطان، وهو يصارع الموت وسكراته، عِنْدِي ثلاث وصايا:
الأولى: لا يحمل نعشي عند مواراتي التراب، إلا أطبائي، ولا أحد غيرهم!
الثانية: يُنثر على جانبي الطريق، من مكان موتي، وحتى قبري، قطع الذهب والفضة، والأحجار الكريمة، التي جمعتُها طيلة حياتي!
الثالثة والأخيرة: حين ترفعونني على نعشي، أخرجوا يدي من الكفن، وأبقوهما معلقتين للخارج، وهما مفتوحتان!
وحين فرغ السلطان من وصيته، قام قائد جيوشه، تغالبه دموعه، بتقبيل يديـه، وضـمهما إلى صدره، ثم قال: أيها السلطان، أطال الله بقاءك، ستُنفذ وصاياك، بلا إخلال، إنما هلا أخبرتني سيدي، عن المغزى من وراء هذه الأمنيات الثلاث؟!
بشق الأنفس، أخذ السلطان نفسًا عميقًا، وأجاب بصوت واهن:
أريد أن أعطي الدنيا كلها درسًا لم أفقهه إلا الآن!
أردتُ بالوصية الأولى، أن يعرف الناس جميعًا، أن الموت إذا أقبل، لم يفلح في رده حتى الأطباء المهرة، الذين نهرع إليهم إذا أصابنا مكروه، وأن الصحة والعمر، عطية من الله وحده، لا يمنحهما أحد من البشر، وأردتُ بالوصية الثانية، أن يعلم الناس أن كل وقت قضيناه في جمع المال فقط، كان هَبَاءً مَّنثُورًا، وأننا لن نأخذ معنا شيئًا، إلا أعمالنا الصالحة، وأردتُ بالوصية الثالثة، أن يعلم الناس أيضًا، أننا قدِمنا إلى هذه الدنيا فارغي الأيدي، وسـنخرج منها هكذا، فارغي الأيدي!
من الجميل أن تعرف الحقيقة، والأجمل ألا تعرفها متأخراً، هي الدُنيا إذا حلتْ أوحلتْ، وإذا كستْ أوكست، وإذا جلتْ أوجلت، وإذا أينعتْ نعت، وكم من قبورٍ تُبنى، وماتُبنا، وكم من مريضٍ عُدنا، وما عُدنا، وكم من ملكٍ رُفعت له علاماتٌ، فلما علا، مات.
الملك لله، لا لغيره، ويوم القيامة يسأل الله الخلائق جميعًا، وهو الأعلم بالجواب: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ؟ والرد: لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ؛ أي الْمُلْكُ الْيَوْمَ، لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ.
يا مَنْ لا يزول ملكه، ارحم مَنْ قد زال ملكه، لسان حال، ولسان مقال الصالحين من الملوك، في كل زمان ومكان، ولا يزالون يرددونها، حتى يفارقوا الدنيا وما فيها.
نَامَ رسولُ اللَّه ﷺ عَلَى حَصيرٍ، فَقَامَ وَقَدْ أَثَّرَ في جَنْبِهِ، قال أصحابه الأخيار: يَا رَسُولَ الله، لوِ اتَّخَذْنَا لكَ وِطَاءً (يعني فراشًا) فقال (صلى الله عليه وسلم): مَا لي وَللدُّنْيَا؟ مَا أَنَا في الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا.
يا لروعة التشبيه، ويا لجمال الوعي، وعميق الفهم.
قال تعالى: (أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ ۚ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ).
سُئل الإمام أحمد: "متى يجد العبد طعم الراحة؟" فقال: "عند أول قدم يضعها في الجنة".