قساة بمحض إرادتهم

2-4-2026 | 09:33

توسلت إليه كثيرًا، دعوته بصدق تام، رجوته أن يمحو علامات الاقتضاب المرسومة بدقة بل والمنحوتة فوق جبينه، تمنيت أن يستيقظ مبكرًا من غفلته، أن يقف وقفة جادة تحسب له، يمد يده لأبنائه، يتقرب منهم، يرافقهم ويصادقهم، يهتم بما يدور بأذهانهم وبخلدهم، يقرأ أفكارهم الوليدة سريعًا، يفندها، يحميها، ويرعاها لهم، يحلم حلمهم البعيد، يعينهم على تحقيقه، يناقشهم بهدوء متخليًا عن حذره الدائم الذي يفرض وجوده على كل حوار يدور بينه وبينهم. 

إنه يعيش بروح المسافر بعيدًا، الحاضر الغائب، المهاجر لأبعد مكان ولأقصى أرض، إن التعبير عن المشاعر بصدق في عرفه عار يسعى دومًا للتبرؤ منه، ارتضى أن يبقي مشاعره حبيسة في وجدان صلب، فرط في الاعتراف بما يشعر به، تحول إلى مارد جبار أقسم ألا يتنازل عن قسوته أو يخرج من قمقمه، أبى النزول من علو قممه الوهمية، نأى بنفسه عن نهج اتبعه الأغلب والأعم، فعل ذلك بمحض إرادته ظنًا منه أن هذا الفعل سيرفع من شأنه ويعلي منه.

تحدث بها الآن، لا تكتمها، أعلنها ولا تؤجل الاعتراف بها، لا تعتز بقسوتك وخشونتك التي تجرح قلوب أقرب الناس إليك، لا تتكبر بكتمان شعور ميزك الله به عن باقي خلقه، حين اختارك أن تكون خليفة له في أرضه، تذكر أنك إنسان يحس ويشعر ويحب، المحبة يا سيدي ليست ضعفًا، والحنان لن يختذل أو يقلل من قيمتك، الرفق قوة لمن أدرك أنه يحيا، والاحتواء ضروري جدًا خاصة لمن يعيش في عصر كهذا، وزع المشاعر على مستحقيها لا تحجب الكلمات وصغها برقتها وسحرها. 

هيا انطق بها الآن وافصح عنها، لا تدع الكلمات الطيبة حبيسة مغتربة في صدرك، افتح زنزانة جمودك وترفق بمن هم في أشد الحاجة إليك، أطلق البسمات تباعًا وتتبع عودتها إليك، دع الشمس بدفئها تصهر جليدك الذي تراكم بداخلك، استمتع بحديث دافئ يدور بينك وبينهم، العمر يمر على عجل يا صاحب القلب الغليظ -انتبه- استدل على طريقك السليم بقلب عابد لا يعص الله ما أمره، إياك أن تستنكر فعلًا يبقيك إنسانًا، عش كما أرادك الله، عش على ما جبلت عليه.

مرت هذه الكلمات بخاطري وأنا أستحضر مشهدًا رأيته بعيني مرارًا، مشهد قاس لأب ود أحد أبنائه الاقتراب منه، حين أبعده وهو يحسب أن رجولته هي التي تحركه، يرفض بكل عناد وتجبر أن يحتوي ابنه ذا القلب الرقيق الحالم، أشاح عنه بيديه معنفًا إياه على فعلته، كأنه ارتكب جرمًا أو كبيرة من الكبائر لا تمر ولا تغتفر، فكيف له أن يجرؤ على الاقتراب منه واللجوء لصدره؟ ربما أراد احتضانه واسترداد أمانه طمأنينته وسلام نفسه.

يتكرر هذا المشهد كثيرًا، ويؤلم من له قلب، مشهد يتنافى مع الفطرة لا يعتنقه إلا من جهل دوره في هذه الحياة، من ظن أن ما فعله هو أكبر دليل على قوته، وهو يغفل أن ذلك دليل على ضعفه، على رغبته في التنازل بمحض إرادته عن قدره وعن إنسانيته.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة