1-4-2026 | 16:51

أمس في قلب القاهرة، حيث يمتزج عبق التاريخ بروح العصر.. لم يكن احتفال السفارة اليونانية بعيدها القومي مجرد إحياء لذكرى سياسية.. بل كان استحضارًا لروح حضارتين صاغتا وجدان العالم.

فمنذ تلك اللحظة الفارقة في الخامس والعشرين من مارس عام 1821، حين انتفض الشعب اليوناني مستعيدًا أرض أجداده.. لم يكن النضال من أجل "الحرية" صرخة يونانية فحسب، بل كان نشيدًا إنسانيًا ترددت أصداؤه في كل بقعة تؤمن بسيادة الحق وقوة الإرادة. إنها ذكرى تلك الثورة التي لم تكن مجرد تمرد على القيود، بل كانت فجرًا جديدًا أشرق بعد 4 قرون من الانتظار، لتولد من رحمها أول دولة أوروبية مستقلة في القرن التاسع عشر.

وفي هذه الأمسية الاستثنائية، وقف السفير اليوناني بالقاهرة، نيكولاس باباجيورجيو، ليرسم بكلماته لوحة من الوفاء، مؤكدًا أن اليونان اليوم.. وبعد قرنين من قيام دولتها الحديثة، تمثل "ركيزة للاستقرار في محيطها الإقليمي وفيما وراءه".

وأشار السفير في كلمته بتقدير بالغ إلى "أواصر الصداقة التي تجمع بين اليونان ومصر".. موضحًا أن العلاقات الإستراتيجية بين البلدين تمر الآن بأفضل مراحلها وتتطور باستمرار، كنموذج يُحتذى به في العلاقات بين الدول التي تتقاسم الرؤى والمصير.

وتلاقت كلمات السفير مع صدى الكلمة التي ألقتها الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة، نيابة عن رئيس الوزراء، حيث تجلى وصف العلاقات المصرية اليونانية بأنها "رباط وجودي" ضرب بجذوره في أعماق الأرض لأكثر من ثلاثة آلاف عام. لقد نجح البلدان في تحويل "الحاجز المائي" للمتوسط إلى "جسر ذهبي".. عبرت فوقه الفنون.. وامتزجت فيه الفلسفة اليونانية بعظمة الحضارة المصرية القديمة، صانعين معًا هوية هذا البحر الذي شهد على ولادة الفكر الإنساني الأول.

هذا التلاحم لم يبقَ حبيس الكتب، بل تجسد في معالم حية.. من دير سانت كاترين المقدس القابع في أحضان سيناء كحارس للتاريخ، إلى بطريركية الإسكندرية وسائر إفريقيا.. وصولًا إلى اختيار "مركز الكشافة اليوناني" بالقاهرة مكانًا للاحتفال.. هذا الصرح الذي يتنفس تاريخًا منذ عام 1924، ليؤكد أن الوجود اليوناني في مصر هو جزء أصيل من نسيجها الثقافي.

وبينما كانت أنغام الموسيقى اليونانية تنساب بشجن ورقي بأداء الفنانة الشهيرة "إيفانثيا ريبوتسيكا"، كان الحضور يستشعر أن المسافة بين ضفتي المتوسط لا تُقاس بالأميال، بل بذكريات مشتركة ورؤى متطابقة كما وصفها السفير باباجيورجيو بأنها "ثمرة قراءة مشتركة للتحديات والمخاطر التي تواجه منطقتنا".

هكذا انتهت الأمسية، لكن الحكاية المستمرة منذ آلاف السنين لم تنتهِ.. فاليونان ومصر ليستا مجرد دولتين على خارطة الجغرافيا.. بل هما منارة، كلما اشتدت أمواج المنطقة.. ازداد رباطهما وثوقًا، ليبقى هذا الجسر الذهبي عصيًا على النسيان، متجددًا بروح الحرية، ومضاءً بنور الحضارة التي لا تغيب.

كلمات البحث
فاروق حسني.. الاستثناء

ليس من السهل أن تختزل مسيرة فاروق حسني في جائزة.. مهما كانت مكانتها، ولا في منصب.. مهما بلغت أهميته.. فجائزة النيل التي توجت مسيرته ليست سوى اعتراف مستحق

الأكثر قراءة