كلما وردت على خاطري الآية الكريمة: (قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ)، تنتابني حالة غريبة، يظل الذهن معها شارداً مع هؤلاء الأكارم، عترة آل البيت، ومآثرهم، وطيب خاطرهم، وجود وكرم أخلاقهم، وشجاعتهم. ثم يتذكر العقل ما حدث معهم من جور وظلم وقع عليهم وهم من هم، أحفاد خير خلق الله محمد صلى الله عليه وسلم، وأبناء من؟ علي باب النبي، وريحانته الزهراء فاطمة.
فكيف يحدث لهم أن يقتلوا وينكل بهم ويشردوا ويطردوا من المدينة المنورة؟ أي قلب يتجرأ ويقتل الحسين؛ ريحانة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ماذا قال عنهم رسول الله: (حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسيناً). ما كل هذا الجور والظلم اللذين تعرض لهما آل بيت النبوة؟
وعندما تصدت زينب البتول لغبن وظلم بني يزيد، ما كان منهم إلا أن أوقعوها في السبي؛ حفيدة رسول الله تُسبى! آه يا رسول الله، آه يا محمد، أحفادك يقتلون ويسبون. إلا أنها حملت إلى المدينة المنورة، لكنها ظلت على عهدها في شموخها وقوتها وصلابتها في الحق. فأجبروها على الخروج، لكنها أبت إباء أصحاب الحق، حتى أقنعها محبوها ومريدوها ومحبو آل البيت بالخروج خشية عليها وحتى تظل على كفاحها في نشر دعوة الإسلام.
فأقنعوها بالخروج إلى مصر، وهذا تشريف لأهل مصر أن يطأ أرضها أقدام آل البيت. فاستقبلها والي مصر خير استقبال، وتلك طبيعة المصريين مع كل وافد إليهم، فما بالنا بوفود آل البيت؟ ويطيب لنا أن نكتب في عجالة عن اسمها وحسبها ونسبها ومآثرها ووفادتها على مصر، وأيضاً نكتب عن مسجدها العامر بأهله وبزواره، ونرد على شبهات أثيرت حول مدفنها بالقاهرة في حي السيدة زينب.
هي زينب بنت علي كرم الله وجهه، أمها فاطمة ريحانة رسول الله، جدتها خديجة بنت خويلد رضي الله عنها وأرضاها. إخوتها لأبويها علي وفاطمة: الحسن والحسين، سيدا شباب أهل الجنة. ولدت بعد الحسين بعامين، وقيل إنها ولدت في شهر شعبان، في العام الخامس أو السادس من الهجرة فاعتبرت من أنوار النبوة. سماها جدها بزينب إحياء لذكرى ابنته زينب الكبرى ابنة السيدة خديجة.
جمعت الزينبية بين جمالين: جمال الخلقة وجمال الخلق، فضلاً عن جماع العلوم التي استقتها من أنوار النبوة. كانت رضي الله عنها مستشارة أبيها وأخويها لبراعتها في الفقه وعلوم الدين، ولم لا وقد تربت في حجر رسول الله، وفي بيته بعد وفاته. تزوجت من ابن عمها عبد الله بن جعفر بن أبي طالب المكنى بـ "قطب السخاء"، الذي ولد في المهجر حال هجرة جعفر إلى الحبشة الهجرة الأولى، وأنجبت منه البنين والبنات، وتوفاها الله وهي على ذمته.
ولما خرج الإمام الحسين بن علي ليرد ظلم يزيد بن معاوية، شاركته السيدة زينب في رحلته، وقاسمته الجهاد، وجاهدا في الله حق الجهاد. ولما استشهد سيدنا الحسين، وقفت في ساحة المعركة تقول: «يا محمداه! يا محمداه! هذا الحسين في العراء، مزمَّل بالدماء، مقطع الأعضاء، يا محمداه! هذه بناتك سبايا، وذريتك قتلى، تسفي عليها الرياح». كما كان لها مواقفها الجريئة الخالدة مع ابن زياد ومع يزيد، وبها حمى الله فاطمة الصغرى بنت الحسين.
ولما أعادوها رضي الله عنها إلى المدينة المنورة، بعد أن استبقوا رأس الحسين بدمشق ليطوفوا به الآفاق إرهاباً للناس، أحسوا بخطرها الكبير على عرشهم، فاختارت مصر لما علمت من حب أهلها وواليها لأهل البيت. فدخلتها في أوائل شعبان سنة 61 من الهجرة، ومعها فاطمة وسكينة وعلي أبناء الحسين. واستقبلها أهل مصر في "بلبيس" بكاءً معزين، واحتملها والي مصر مسلمة بن مخلد إلى داره. فأقامت بهذه الدار أقل من عام، عابدة زاهدة، تفقه الناس، وتفيض عليهم من أنوار النبوة، وشرائف المعرفة والبركات والأمداد، حتى توفيت في مساء الأحد (15 من رجب سنة 62هـ)، ودفنت بمخدعها وحجرتها من دار "مسلمة"، التي أصبحت قبتها في مسجدها المعروف الآن.
وقد توفيت وهي على عصمة زوجها "عبد الله"، وأما قصة طلاقها منه فكذب وتشويش على آل البيت. أنشئ المسجد الزينبي في العهد الأموي وكان مزاراً للمؤرخين والكتاب والرحالة من كل بقاع العالم العربي والإسلامي، ولا يزال وسيظل مزاراً ومعلماً دينياً شاهداً على عظمة آل بيت النبي ومدى حب الناس لهم. وأما ما قد يكون فيه أحياناً من بعض المخالفات لظاهر الشرع، فهو من أثر الجهل، الذي يخفف من سوئه حسن نية أهله.
كما عرف عن مشيرة آل البيت نظمها للشعر، ومن أشعارها:
ماذا تقولون إن قال النبي لكم .. ماذا فعلتم وأنتم آخر الأممِ
بعترتي وبأهلي بعد فرقتكم .. منهم أسارى ومنهم خُضِّبوا بدمِ
ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم .. أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمي
وإذا ضاقت بك الأحوال يوماً .. فثق بالواحد الأحد العليِّ
ولا تجزع إذا ما ناب خطبٌ .. فكم لله من لطفٍ خفيِّ
وننشد في محبتكم آل بيت النبي ما أنشده السهروردي الشهيد: "أبداً تحن إليكم الأرواح.. ووصالكم ريحانها والراح". استميحك عذراً يا بطلة كربلاء إن كنت قد جاوزت قدري، فحبكم آل بيت رسول الله فاق حدي. رضي الله عنها وعن أبيها وأمها وإخوتها، ثم صلاة وسلاماً وإكراماً على جدها وجدتها.