يجد الكاتب نفسه أحيانًا، عند مناقشة تفاصيل عمل فني مهم، حائرًا بين أمرين؛ أن يقدم قراءة تغوص - بوضوح وصراحة- تحت السطح الظاهر للعمل ليكشف الأفكار الخبيئة فيه من لآلئ ودرر، كما تلقاها هو بذوقه الشخصي بالطبع، أو أن يعمل على الإخفاء والتمويه كي لا يلفت أنظار الرقباء المستبدين، فينتبهوا، ويعمدوا في المستقبل إلى التضييق على المبدعين!
يا لها من معضلة! لكننا رغمًا عنا نميل دومًا إلى الحرية، إلى الكشف والإفصاح والتحليل الصريح، بعد تذوق العمل الفني بمتعة. عذرنا في هذا أن صناع العمل قد قالوا كلمتهم بلغتهم؛ لغة الفن وحده، وهم مسئولون عنها، وليس عن القراءات المتباينة لها، كما أن المرء يمكن أن يكتب بوضوح دون أن يجرح.. لعلنا نفلح!
المسلسل السوري الرمضاني المهم «الخروج إلى البئر»، واحدٌ من الأعمال التي ناقشت هذا العام حقبة الرئيس الأسبق بشار الأسد، من خلال حدث مركزي هو «استعصاء سجن صيدنايا» وتمرد المسجونين فيه عام 2008، وتوابع ذلك وتأثيره في حياة الأبطال، ليكشف المسلسل فظائع ممارسات تلك الحقبة التي قادت البلاد إلى ما وصلت إليه على مدى أربعة عشر عامًا.
هكذا كُتِب وقيل، وهذا هو الظاهر الواضح في المسلسل، وهو صحيحٌ لا خلاف عليه، لكن.. هل تتوقف رسالة العمل عند هذا الحد فقط؟! هل كان كشف فساد وديكتاتورية النظام السابق هو كل ما في الأمر؟!
أفكار عميقة كثيرة، تعرض لها المسلسل، سواء من خلال مناقشات المساجين من مختلف التيارات السياسية حول سبل المواجهة مع إدارة السجن الغاشمة، أو باستعراض حياة أسرة البطل، السجين «سلطان الغالب»، التي تبدو مفككة. الفكرة الأبرز أن النظام الديكتاتوري والجماعات «الإسلاموية» هما وجهان لعملة واحدة، يتكاملان، ويتعاونان في بعض الأحيان. كلاهما يؤدي بممارساته إلى تفكيك الأسرة، والمجتمع، والبلد. والأساليب واحدة؛ هي ذاتها؛ العنف وعدم قبول الرأي أو المناقشة. وكما عذَّب النظام المساجين بأبشع صنوف التعذيب، وافق الابن السلفي المتطرف على جلد أمه متهمًا إياها كذبًا بالزنا.. الطرفان ألهبا ظهر البلد بسياطهما.
كيف تكون مواجهة السجين مع السجان؟! سؤال مهم آخر ناقشه المسلسل؛ بالتفاوض والحوار أم بالسيف والدم؟! وإذا ما اعتبرنا أن «سجن صيدنايا» الرهيب الذي كان مخصصًا لمعتقلي الرأي قد بدا في العمل بما يضمه من أطياف متنوعة كمجتمع كامل، كبلد، فإن السؤال هنا يصبح أعمق، وأكبر، ليكون: كيف تتعامل الشعوب مع الأنظمة الديكتاتورية الغاشمة؟!
في المسلسل، سجين يساري يريد قبول دعوة إدارة السجن للحوار بعد نجاح التمرد، يقول لزميله السلفي الذي يؤيد خيار استمرار المواجهة المسلحة: نحن الحلقة الأضعف، فلماذا نخوض معركة خاسرة؟! لماذا الانتحار المجاني؟! ليرد الآخر بقوله: أنتم تزنون الأمور بزنة الضرر والنفع، أما نحن فلدينا ميزان الواجب والفرض، والجهاد فرض، فالمهم أن نكون شوكة في حلق النظام، وإن يكن بالموت!
الإقدام على الموت أم السعي إلى الحياة؟! سؤال كبير يدور حوله الصراع. يميل السجناء السلفيون والمنتمون إلى تنظيم القاعدة إلى أن الموت سبيل الخلاص وأن «لقاء الله واجب.. ما في داعي للتأجيل»، بينما يذهب الآخرون إلى أن المواجهة لابد أن تكون بأقل الخسائر، حقنًا للدم، وحفظًا للنفس، وأن هناك مَن يريدون الحياة، يقدسونها، فلابد من التفاوض مع السجان.. لا بد من ممارسة السياسة مع الحاكم!
بين هؤلاء جميعًا، تبرز شخصية «سلطان الغالب»، السجين الحكيم العاقل الذي يتعاون مع المسئول الأمني الكبير «اللواء ناصيف بدران»، بهدف إنجاح الحوار، في مواجهة فنية عالية الموجة بين الفنانيْن الكبيريْن جمال سليمان وعبد الحكيم قطيفان، ولكن يكتشف السجين/ المواطن تلاعب المسئول به، وعدم الوفاء بوعوده التي قطعها له، بعد أن يجد ابنيه، السلفي العنيف المتطرف والطبيعي النبيل المكافح، قد زج بهما معًا إلى السجن ليلحقا به! الكل مع الطغاة عرضة للتلاعب والخداع والسحق. الكل. لا فرق. المهم هو بقاء النظام واستقرار الحاكم الديكتاتور في كرسيه بأي شكل.. فما العمل؟!.. يجد «سلطان» نفسه في كفة واحدة مع سجناء تنظيم القاعدة، يميل ميلهم، يتجه نحوهم، يؤيد المواجهة العنيفة مثلهم. ماتت الحكمة وانتحر العقل!
كتيبة كبيرة من الفنانين أبدعت في تقديم نص جيد للكاتب سامر رضوان، من إخراج محمد لطفي، برز منهم خالد شباط ومصطفى سعد الدين وقاسم ملحو ونانسي خوري ومازن الناطور وغطفان غنوم وجفرا يونس وإليانا سعد ويوسف حداد وباسل حيدر وجلال شموط وكارمن لبس.
لكن.. هل توقفت رسائل العمل عند حقبة النظام السابق وفساده؟! الواقع أن الأفكار الغاطسة تحت السطح - كما تلقيتُها- بدت أبعد من ذلك، والسر في حرف الجر.. فالصراع الكبير وانسداد كل سبل الحوار قادت البطل إلى طريق العنف، أو.. قادته نحو الخروج «إلى» البئر.. وليس «من» البئر!
لم ينجُ البطل، أو السجن، أو البلد. لم يخرج أحدٌ بعد من البئر، بل اتجه إليه الكل.. وقف البطل على حافته، ونظر إلى العمق، متطلعًا نحو المجهول، ثم قفز.. كالمستجير من الرمضاء بالنار.. كمن يبغي الحياة فيقرر الانتحار.. نظام يسلم إلى نظام.. يُطلق المسلسل - كما قرأتُه- رسالة تحذير!
قالها «سلطان الغالب»، الذي لم يكن سلطانًا في أرضه أو غالبًا لأحد، في حواره مع «أبي حذيفة» زعيم تنظيم القاعدة السجين: «والله يا شيخ.. خايف الخلاص اللي عم نوعد به الناس يكون حلم الناس الخلاص منا»!
ثم تأتي كلماته الأخيرة - قبل القفز إلى المجهول- لتحمل أبلغ الرسائل، إذ يقول: «البير طلع مشروع كبير» (عابر للدول بهدف السيطرة على الوطن)، وليس مجرد حفرة نستخرج منها المياه (دولة تيسر للناس الحياة أو ثورة تجلب الحرية)، إنما «له مغناطيس وهيبة» (كجاذبية السلطة أو الثورة سواء باسم الدين أو الوطنية)، ونحن طوال الوقت نحاول الخروج منه لكننا نكتشف أننا «نغرق فيه أكثر وأكثر». ويختم بيأسٍ وأسى قائلًا إنه لا أجنحة له كي يطير في السماء (فيحقق أحلام الحرية)، لذلك.. «راح أجرب أنزل على الأرض».. ليقفز عندئذ من أعلى السجن.. إلى البئر.. إلى العمق السحيق.. إلى المجهول!
كل شيء واضحٌ وجميل، ونبيل، وصلت الرسائل المضمرة بلغة فنية محكمة، في عمل له ضمير. ولذلك فإننا رغم ما شهدناه - في الواقع- من فتح «سجن صيدنايا» بعد سقوط النظام السابق وتحرير المعتقلين فيه، نجد المسلسل يُختتم بثلاث كلمات، ظهرت على الشاشة كلوحة أخيرة، لكن باقية، ممتدة الأثر، ومُحذرة، هي: «ما زال الاستعصاء مستمرًا»! هل هناك ما هو أوضح من ذلك؟! سوريا العظيمة التي نتمنى لها الخير والسلامة ستظل «مستعصية» على محاولات التركيع أو تغيير الهوية!