1-4-2026 | 09:59

يذهب البعض، إلى أننا نتجه نحو "نهاية سريعة" للحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، سواء بحل تفاوضي أو من خلال "نصر سريع وحاسم"، إلا أن الغالبية من الخبراء والدوائر المطلعة في المنطقة والغرب لا تشارك الرئيس دونالد ترامب حماسة ولا تقييمه بأن بلاده أنجزت المهمة وانتصرت، ويشير هؤلاء لماذا يقدم مهلة تلو الأخرى، ويحشد لعملية برية. وبالتأكيد فإن الخسائر الفادحة سوف تكون عاملًا حاسمًا بالنسبة لترامب. لذلك، لا تزال إدارته تدرس مكان وكيفية توجيه الضربة النهائية. ولكن العملية باتت حتمية عمليًا، وتقول بعض المصادر أن واشنطن لا يمكن أن تسمح لإيران بالتحكم في شروط إمدادات النفط العالمية.

وبينما ينشغل البعض بحقيقة ما يجري، ثمة من يرى أن واشنطن ربما كسبت المعركة لكنها خسرت هي وإسرائيل الحرب. وثمة إجماع على أن المنطقة لن تكون مثلما كانت في اليوم التالي للحرب، وأن إيران سوف تواجه واقعًا جديدًا ومريراً، بل بدأ البعض يحصي الرابحين والخاسرين، والتحركات المتعددة لخلق توازنات جديدة في المنطقة.

وفي هذه اللحظة أثرت حرب إيران اقتصادياً بشكل كبير، حيث استفاد منتجو النفط والغاز خارج الخليج، وشركات التسليح والذكاء الاصطناعي، والدولار، بينما تكبد مصدرو النفط الخليجي، وشركات التأمين الخليجية، والمعادن النفيسة والأسواق الناشئة والسياحة خسائر كبيرة. وتبدو إيران وروسيا من بين أكثر المستفيدين من الارتفاع الراهن في أسعار البترول.

إلا أن الصورة الأكثر قتامة، تظهر في الشرق الأوسط، إذ تتلقى بعض دوله ذات الاقتصادات المنهكة أصلاً ضربة إضافية، فتقصف إيران ولبنان، الغارقتين أصلاً في الأزمات، بينما ترصد بعض التقارير تأثر قطاعات معينة في مراكز اقتصادية كبرى مثل دبي وأبو ظبي. كما تتعرض البنية التحتية للطاقة في بلدان المنطقة لأضرار، وتكاد حركة الملاحة في الخليج أن تتوقف، وبذلك يكون هؤلاء من أكثر الخاسرين من هذا الصراع حتى الآن.

أما التوقعات الاقتصادية فهي أكثر قتامة، إذ يُحذّر الخبير الاقتصادي ديدييه بوروفسكي من أن "الصدمة قد تكون شديدة على النمو، لأن تدمير البنى التحتية سيقلّص الإنتاج والصادرات".

ويشير الواقع في اللحظة الراهنة إلى أن الولايات المتحدة قلّلت من شأن المهمة، وفقدت المبادرة لصالح إيران، وأظهر النظام الإيراني مرونة أكبر مما كان متوقعًا.

وتبدو المؤشرات كلها أن إدارة دونالد ترامب تتجه نحو "مغامرة خطرة" تتعلق بمحاولة فتح مضيق هرمز أو الاستيلاء على اليورانيوم عالي التخصيب بعملية برية خاطفة، إلا أن غالبية الخبراء العسكريين يرون أن إنزال قوات الكوماندوز والمظليين دون أي اتفاق رسمي لوقف إطلاق النار، ومحاولة فرض المرور عبر المضيق، يُعدّ "مقامرة كبيرة".

ويرى ألكس يونغر، الرئيس السابق لوكالة المخابرات البريطانية MI6، أن طهران تملك المبادرة وتسيطر على مجريات الصراع حتى الآن، بل أن "إيران تملك اليد العليا".

وفي معرض تقييمه للوضع الحالي في الحرب، خلال مقابلة مع مجلة الايكونوميست، استعرض يونغر القرارات الاستراتيجية لطهران منذ يونيو الماضي. وأكد "لقد اتخذوا بعض القرارات الجيدة بشأن توزيع قدراتهم العسكرية، ما منحهم مرونة كبيرة ضد حملة جوية قوية.. أطلقوا ما يُعرف بـ ''التصعيد الأفقي'' بإطلاق صواريخ على أي هدف ضمن نطاقها. في البداية ظننت أن هذا جنون، لكنه أثبت فعاليته في فرض تكلفة مباشرة على الولايات المتحدة، وقد نجح."

وشدد يونغر على أن إيران فهمت أهمية الحرب على الطاقة، قائلاً "إيران أدركت قيمة الحرب على الطاقة وهددت بإغلاق مضيق هرمز، وحوّلت الصراع إلى صراع عالمي..، لعب الإيرانيون أوراقهم بشكل جيد جدًا، رغم أنهم بدأوا بأوراق ضعيفة."

وربط يونغر بين خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وتعزيز موقف إيران، وقال أن "ترامب أوضح أن إيران في حرب وجودية وأنه يريد رؤيتها محاصرة إلى أقصى حد.. الولايات المتحدة، بالمقابل، في حرب اختيارية. أعتقد أن هذا منح الإيرانيين قدرة صمود أكبر من الولايات المتحدة، وبالتأكيد أكثر من شركائها، مما منحهم الموقع المهيمن."

ووسط ذلك كله يندفع ترامب للتصعيد بالرغبة في عملية برية خاطفة، وما يعقد الموقف أن العمليات البرية لم تكن ضمن الخطة الأصلية، ولقد بدأ يتردد بقوة مصطلحات عسكرية تعبر عن حالة الحرب الحالية والمستقبلية، والتي لا يتوقع معها الكثير من الخبراء في الغرب وإسرائيل حلاً سريعاً للصراع مع إيران، ليبرز المصطلح الإستراتيجي "جز العشب"، بعدما استسلم بعض القادة الاستراتيجيين الإسرائيليين له.

وهذا يعني ضرورة القتال لهزيمة خصوم مثل حماس وحزب الله والحرس الثوري الإيراني، بل وحتى الدولة الإيرانية، بشكل متكرر وعلى مدى أجيال.

ويشير البعض إلى مصطلحا "إستراتيجية الخروج" و"مخرج الطريق السريع"، للتعبير عن الرغبة بالخروج السريع من أزمة إيران وفخ مضيق هرمز. وتلوح في الأفق شبح عبارة "لا تعزز الفشل أبداً"، ويحذر الخبراء الأمريكيون من أن القوات الأمريكية والإسرائيلية على وشك القيام بذلك تحديداً، أي "تصعيد المهام وتعزيز الفشل".

وينقل الكاتب روبرت فوكس في صحيفة الإندبندنت البريطانية تحليلاً يذهب فيه إلى أن ترامب بدأ يدرك اتساع الفجوة بين حساباته وحسابات حليفه، ولكن في الوقت نفسه يرى أن كليهما متورط الآن في "توسيع نطاق المهمة".

وفي الوقت نفسه لم يعد خافياً على أحد أنّ الحرب تحولت من معارك سريعة ومحدودة إلى أزمة إقليميّة معقّدة ومتشابكة، وأصبحت حرب ترامب ونتنياهو اختباراً لتوازنات الإقليم، ومصالح اللاعبين الكبار، ومؤشّراً إلى مواجهة تحديد معالم “اليوم التالي”، الذي سيُعاد فيه رسم خرائط النفوذ والأمن والسياسة والاقتصاد في المنطقة.

وبدأت بالفعل القوى الإقليمية والدولية تهتم بسؤال محوري: كيف سيظهر الإقليم بعد الحرب؟، وما موقع إيران ودورها في التوازنات الجديدة؟، وكيف ستتغيّر المعادلات، وربّما الخرائط بعد ذلك؟، وما خيارات إيران وحدود قدرتها على حماية موقعها ودورها الإقليميّ؟، وما هو موقف اللاعبين المؤثّرين في ملفّات الإقليم ونظرتهم إلى مستقبل ما يجري؟.

ومن ناحية أخرى خرجت تطوّرات المشهد العسكريّ والسياسيّ حول إيران من أزمة عسكريّة محدودة تعيشها المنطقة إلى مواجهة عابرة للحدود تهدّد أمن واستقرار الإقليم بأسره.

وفي الوقت نفسه يرى البعض أن إيران لن تعود في “اليوم التالي” لاعباً يهدّد الإقليم ويستهدفه، بل ستصبح قوّة مُهدَّدة ومُستهدَفة، دولة تنزف بعدما فقدت مقوّمات قوّتها داخليّاً وخارجيّاً، يطاردها كابوس ما زرعته في المنطقة، وتسعى إلى احتواء تداعيات ما تسبّبت به، واسترداد ما خسرته من نفوذ ودور إقليميَّين بين الركام. وهذا ما يضعها أمام اختبار حماية ما بقي لها من مصالح ونفوذ، ومستقبل سياسيّ وأمنيّ في النظام الإقليميّ المقبل.

ويبقى في النهاية أن لا شيء يدعو للابتهاج مما جرى حتى الآن، ومما كشفته تفاعلات هذه الحرب من حدود القوة الأمريكية، وتأثير جماعات الضغط الداعمة لاستمرار الحروب المفتوحة، وضعف التحالفات، وهشاشة الوضع الإقليمي والدولي، وسهولة تدهور اقتصاديات الدول أيًّا كان مستوى قوة اقتصادها.

وبعدما خسر الجميع؟!، يبدو إنها باختصار"حرب بلا نصر".

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة