تزامنًا مع عودة فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف إلى مكتبه خلال الأيام الماضية ومزاولة عمله، إثر تماثله للشفاء، بعد الوعكة الصحية التي تعرض لها مؤخرًا -شفاه الله وعافاه- مرت علينا الذكرى الـ١٦ لتولي الإمام مشيخة الأزهر الشريف في 19 مارس الحالي؛ حيث تولى الطيب مسئولية المشيخة في نفس التاريخ عام ٢٠١٠م مرت أكثر من ١٦ عامًا لشيخ الأزهر من العمل الدؤوب في تطوير الأزهر، ونشر الفكر الوسطي المستنير، وتعزيز السِلم والتعايش المشترك -أطال الله في عمره- ومع احتفالنا في 6 يناير الماضي بذكرى ميلاد الإمام الـ 80، ومع استمرار دوره الكبير المميز والمتفرد في الدفاع عن الإسلام وتوضيح صورته الحقيقية.
الهوية الأزهرية والرسالة العالمية
نؤكد أن الإمام الطيب حافظ على الهوية الأزهرية، وبنى جسور الحوار والسلام منذ اليوم الأول لتوليه مشيخة الأزهر الشريف، وحرص على تقديم رسالة الأزهر العالمية؛ ونشر رسالته الوسطية في أنحاء العالم على أتمِّ وجهٍ في ظل تحديات عُظمى إقليميةٍ وعالميةٍ، محافظًا على مقولة "الأزهر المعمور دربي في الحياة ومرجعي".. رافعًا ما كتبه الأستاذ خالد محمد خالد في كتابه قصتي مع الحياة شعارًا بأنه:
لم يكن الأزهر الشريف مجرد جامع وجامعة، بل كان شمسًا جديدة تدور في فلكها رحلة العلم والثقافة والعقل، حاملة ضياءه إلى البلاد القاحلة… متحليًا الطيب بصفات علماء الأزهر محاولًا تحقيقها والدعوة إليها".
الأزهر والقضية الفلسطينية
وفي ظل التحديات والمتغيرات ما زال الأزهرُ تحت قيادة الطيب مدافعًا عن قضايا الأمة صوتَ الحق الذي لا يهدأ دائمًا ولا ينكسر أبدًا، ولا يزال كعبة العلم والحصن الحصين للإسلام والمسلمين المساند للدولة المصرية وقياداتها وشعبها، حاملًا همومَ الشعوب العربية والإسلامية لا سيما الشعب الفلسطيني؛ حيث أدان بالأمس الأزهر محاولةً خبيثةً قميئةً للاحتلال الإسرائيلي لشرعنة إعدام 11 ألف أسير فلسطيني، واصفًا هذا القانون الصهيوني بأنه محاولة بائسةٍ لإضفاء صبغةٍ قانونيةٍ لتبرير جرائمه قائلاً: (إن إقدام الاحتلال على شرعنة قتل الأسرى يعكس توحشه وانفلاته الأخلاقي… معلنًا رفضَه القاطع كل ما يصدر عن الاحتلال من قوانين وإجراءاتٍ باطلةٍ بحق الأسرى الفلسطينيين…)، وليس ذلك فحسب؛ فلم يكن الأزهر بقيادة الدكتور الطيب بمنأى عن الحياة السياسية الداخلية والخارجية بما يخدم الإسلام والبلاد والعباد بشتى أنحاء المعمورة.
موقف الأزهر من الصراعات الإقليمية
ويُعد موقف الأزهر من الحرب الدائرة بين أمريكا وإسرائيل وإيران واضحًا أشد الوضوح؛ فالأزهر بدوره المحوري العالمي يحاول القضاء على الفتنة بين إيران والخليج؛ لإنهاء الحرب المشتعلة التي تحاول أطرافٌ معروفةٌ استمرارها، وعلى رأسهم الصهاينة برعايةٍ أمريكيةٍ، ولم يكتفِ الأزهر الشريف بذلك، بل سبق وأدان أيضًا الهجمات الإيرانية على عددٍ من دول الخليج ودولٍ عربيةٍ، مطالبًا بوقفها فورًا، ومؤكدًا أن استهداف المدنيين والمنشآت يمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي، مطالبًا بإنهاء الأزمة، حقنًا لدماء المدنيين، فالأزهر هنا ليس منحازًا لجماعة دون غيرها، ولكنه يعي تمامًا أن البعض يحاول أن يجعل الحرب حربًا دينيةً عقائديةً بين السنة والشيعة، وكذلك بين المسلمين وغيرهم ويشعل المنطقة -بل العالم أجمع- لأنهم المستفيدون من ذلك.
المرجعية الوسطية وحوار المذاهب
فالأزهر ليس دوره المنوط به أمرًا سياسيًا في المقام الأول، ولكن باعتباره أكبر مرجعيةٍ دينيةٍ وسطيةٍ معتدلةٍ، وهو الذي ينادي بالحوار مع الشيعة ومختلف المذاهب الإسلامية، وهو نفسه الذي وقف في وجه العدوان الامريكي الإسرائيلي في حرب الـ (12) يومًا على إيران، وكان أول من أدانها، مطالبًا بوقف الانتهاكات الصهيونية المتكررة بحق إيران، إن الأزهر لم يهادن ولم يجامل يومًا من الأيام؛ ذلك أن رؤيته ليست ببعيدةٍ عن الدولة المصرية والقيادة السياسية؛ ممثلةً في شخص السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي في الحفاظ على أرواح الأبرياء؛ مما يؤكد أن مصر والأزهر قلبٌ واحدٌ ونبضٌ متجددٌ متفردٌ، وحائط صدٍ عتيدٍ ضد أي عدوانٍ على المدنيين؛ سواءً في إيران أو الخليج أو أي منطقة على مستوى العالم حقنًا للدماء، ونشرًا لرسالة السلام التي ينادي بها الأزهر.
وهنا يحضرني ما كتبه الدكتور محمد إبراهيم العشماوي الأستاذ بجامعة الأزهر، قائلًا: "مِنْ أَلْفِ عامٍ والبَرِيَّةُ تَهْتَدِي في سَيْرِها بالْأَزْهَرِ الْمَعْمُورِ!"، ويحضرني أيضًا ما قاله الإمام الفقيه المحدث ابن حجر الهيتمي عن الأزهر: "ليس على وجه الأرض بقعة جمعت من علماء الأرض وصلحائها، والجهد في طلب العلم وتعلمه وتعليمه، والدأب في ذلك الليل والنهار مثله؛ بحيث أجمعوا على أنه لم يقع منذ أزمان -وإلى الآن- أنه خلا من علم أو ذكر ساعة من ليل أو نهار".
التراث الروحي والقوة الناعمة
وبعيدًا عن الأزمات الإقليمية وصوت المدافع والقنابل وأزيز الطائرات وجحافل الجيوش، يستمر الأزهر في تقديم نماذج مشرفةٍ رأيناها جميعًا -خلال شهر رمضان المبارك- تؤم المصلين بالجامع الأزهر، هذه الأصوات الندية بالقراءات المختلفة، مع استمرار الإفطار الجماعي لما يزيد على 10 آلاف شخص يوميًا داخل كعبة العلم بصحن الأزهر الشريف، وكأننا في أجواء الحرمين المكي والنبوي، حتى إن الأزهر قدّم الطالب بالأزهر "عمر علي"، صاحب الـ12 عامًا؛ ليكون أصغر مَنْ يؤم المصلين بالجامع الأزهر خلال شهر رمضان -في وجود نخبةٍ من العلماء- كدليلٍ واضحٍ على أن جواز تلك الإمامة شرعًا قائمة على أولوية تقديم الكفاءات والمواهب؛ حتى ولو كانوا حديثي السن.
مصر دولة التلاوة
وفي التوقيت ذاته، فرعاية السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي الموسم الأول لبرنامج "دولة التلاوة" الذي نجح نجاحًا كبيرًا، بفكر د. أسامة الأزهري وزير الأوقاف؛ مما جعل البرنامج محط أنظار العالم، وحضور الرئيس السيسي وتكرّيمه للفائزين، مشهد مهيب يجمع بين الاحتفاء بأهل القرآن والاحتفاء بالمواهب المصرية الواعدة، لا سيما أن معظمهم أبناء الأزهر الشريف حفظة القرآن؛ لتستمر مصر الأزهر حاضنة وراعية للقرآن الكريم وعلومه بمصر دولة التلاوة؛ ولتظل مقولة "القرآن نزل بمكة وقرئ بمصر…" مصر الأزهر مهد التلاوة وموئل القراءات محققة، وليبقى صوت التلاوة المصرية رمزًا للوسطية والجمال، ومعلمًا يُهتدى به في أرجاء العالم الإسلامي.
دعم حكومي ومنارة مستدامة
ومما يؤكد حرص الحكومة المصرية على تحقيق ذلك، موافقة الدكتور المهندس مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء على إنشاء كليتين جديدتين للقرآن الكريم للبنين والبنات بالقاهرة.. حفظ الله مصر وقائدها وجيشها وشعبها والأزهر وشيخه الطيب حصن الإسلام؛ لأنه إن كان للمسلمين قبلة يتجهون إليها في كل صلاة -وهي الكعبة المشرفة- فإن للمسلمين كعبة يتجهون إليها من أجل العلم وهي الأزهر الشريف، رعى الله علماء الأزهر الشريف وطلابه ودعاته وقراءه، وجعله دائمًا منارةً تهدي الحائرين وتُقوِّم المنحرفين، وتبثُ رسالة السِلم والسلام في هذا العالم أبد الآبدين.