الاقتصاد العالمي في مرمى النيران

31-3-2026 | 14:47

لم يكن ما جرى خلال الأسابيع الأخيرة مجرد اشتعالٍ لنيران حرب في بقعة متوترة من العالم، بل كان -في جوهره- انفجارًا في صميم المنطق الذي حكم العلاقات الدولية لعقود. فالحروب، كما علمتنا التجارب، لا تُقاس بحدود ميادينها، بل بقدرتها على زعزعة ما وراءها: توازنات القوة، وحسابات المصالح، وبنية الاقتصاد العالمي ذاته. ومع دخول الحرب في إيران شهرها الثاني، لم يعد ممكنًا التعامل معها كأزمة إقليمية عابرة. لقد وجد العالم نفسه أمام اختبار حقيقي، لا لصلابة التحالفات السياسية فقط، بل لقدرة الاقتصاد العالمي على الصمود في مواجهة صدمة جاءت من حيث لا تُحتسب… أو ربما من حيث كان ينبغي أن تُحتسب.

هرمز إلى الواجهة

 في هذا المشهد، يبرز مضيق هرمز لا بوصفه ممرًا مائيًا، بل باعتباره عقدة مركزية في شبكة الحياة الاقتصادية العالمية. الجغرافيا هنا لا تمنح خيارات، بل تفرض حقائق؛ ومن هذه الحقائق أن العالم -بكل تقدمه- لا يزال أسير ممرات ضيقة، إذا أُغلقت، اختنق. الأرقام، في هذه الحالة، ليست مجرد مؤشرات، بل إشارات إنذار. تراجع التدفقات النفطية لم يكن مجرد نقص في الإمدادات، بل كان إعلانًا عن خلل أعمق: خلل في توازن العرض والطلب، وفي قدرة النظام على التعويض. وهنا تظهر المفارقة القاسية؛ ترتفع الأسعار على الشاشات، بينما تتآكل الكميات في الواقع. وحين يقترب الحديث من مستويات غير مسبوقة للأسعار، فإن الأمر يتجاوز الاقتصاد إلى السياسة.

النفط، في مثل هذه اللحظات، لا يُباع ويُشترى فقط، بل يُستخدم… ورقةَ ضغط، وأداةَ إعادة رسم لموازين القوة. أما الاحتياطيات الاستراتيجية، التي طالما قُدّمت كضمانة للأمان، فقد بدت – في مواجهة هذه الصدمة – كأنها محاولة لشراء الوقت، لا لحل الأزمة.   عودة التضخم في لحظة سابقة، بدا أن العالم بدأ يطوي صفحة التضخم، أو على الأقل يضعها تحت السيطرة. لكن ما جرى أعاد فتح الصفحة، لا بنفس الحروف، بل بظروف أكثر تعقيدًا.

التضخم اليوم ليس مجرد نتيجة لسياسات نقدية، بل هو انعكاس مباشر لاضطراب الجغرافيا. ارتفاع تكاليف الطاقة، وتعطل سلاسل الإمداد، وانتقال الأثر من المنتج إلى المستهلك… كلها حلقات في سلسلة واحدة، تبدأ من المضيق ولا تنتهي عند حدود دولة. وفي هذا السياق، وجدت البنوك المركزية نفسها أمام معادلة صعبة. بينما كانت تستعد لتخفيف قيود التشديد الكمي، فإذا بها مضطرة لإعادة التشدد.

الفائدة لم تعد أداة لتنشيط الاقتصاد، بل وسيلة لاحتواء أزمة قد تتجاوز السيطرة. وفي النهاية، يبقى المستهلك هو الحلقة الأضعف. فكل ما يحدث في الأعلى -في مضائق البحر وغرف القرار- ينعكس في الأسفل، على قدرة الفرد في تلبية احتياجاته اليومية.

العالم… شبكة لا تحتمل الانقطاع

 لوقت طويل، ساد الاعتقاد بأن العولمة جعلت العالم أكثر مرونة. لكن الواقع كشف أن هذه المرونة تخفي هشاشة كامنة. فالعالم اليوم ليس قرية صغيرة، بل شبكة معقدة من الاعتماد المتبادل، يكفي أن تتعطل فيها عقدة واحدة حتى تتأثر بقية العقد. ما حدث في هرمز لم يتوقف عند النفط الخام، بل امتد إلى الأسمدة والمواد الزراعية التي تمر إلى العالم عبر هذا المضيق، مما ينذر بأزمة غذائية عالمية، تتزامن مع بدء الموسم الزراعي السنوي. ومع ارتفاع تكاليف النقل والتأمين، أصبحت التجارة أكثر تكلفة، وأقل كفاءة.

وهنا يدخل الاقتصاد مرحلة جديدة: ليس مرحلة الركود، بل مرحلة القلق. والقلق، في الاقتصاد، قد يكون أخطر من الركود، لأنه يشل القرار قبل أن يشل الحركة.

من يدفع… ومن يربح؟

في كل أزمة، تتباين المواقع. هناك من يخسر مباشرة، وهناك من يربح مؤقتًا. لكن في الأزمات الكبرى، يصبح الربح نفسه محفوفًا بالمخاطر. الدول المستوردة للطاقة تتحمل العبء الأكبر، بينما قد يستفيد بعض المنتجين خارج دائرة التوتر. غير أن هذه الاستفادة لا تعني استقرارًا، لأن النظام ككل يدخل في حالة اهتزاز. وفي الخلفية، يتشكل اتجاه جديد: البحث عن بدائل. ليس فقط بدائل للطاقة، بل بدائل للنموذج القائم كله. وكأن الأزمة تقول للعالم إن الاعتماد على مسار واحد لم يعد خيارًا آمنًا.

ما بعد الحريق… أي عالم يتشكل؟

يبقى السؤال الأهم: ماذا بعد؟ هل نحن أمام أزمة عابرة، تنتهي مع توقف القتال؟ أم أننا أمام لحظة تحول، يعاد فيها تشكيل النظام الاقتصادي العالمي؟ المؤشرات لا تدعو إلى الاطمئنان الكامل. فالتضخم يعود، والنمو يتردى، وسلاسل الإمداد تختنق. وإذا استمرت هذه العوامل، فإن العالم قد يجد نفسه أمام ما كان يُخشى دائمًا: ركودٌ مصحوبٌ بتضخم. وفي النهاية، تعود القاعدة التي لم تتغير: الاقتصاد لا يقود السياسة، بل يسير في ظلها. وحين ترتفع أصوات المدافع، لا تملك الأسواق رفاهية التجاهل… بل تعيد حساباتها، في عالم يتغير، ربما أسرع مما يتوقع الجميع.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: