لا تقف الحرب المرتبطة بإيران عند حدود الصواريخ والردع العسكري، بل تنتقل فورًا إلى الاقتصاد، وتضرب حركة التجارة وتوفر الطاقة والتمويل في آن واحد، ولهذا لا يجب أن ننظر إلى ما يحدث في مضيق هرمز باعتباره خبرًا أمنيًا بعيدًا عن مصر؛ لأن ما يجري هناك يضغط مباشرة على أسعار الطاقة، ويزيد تكلفة الشحن، ويربك حسابات الأسواق، ويضع دولًا مثل مصر أمام اختبار اقتصادي صعب.
ومن هنا فإن خطورة مضيق هرمز لا تحتاج إلى مبالغة، فيكفي أن نحو 20 مليون برميل قد عبرت من خلال هذا المضيق يوميًا في عام 2024، أي ما يعادل قرابة خمس استهلاك العالم من السوائل النفطية، كما مر عبره نحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًا، وهو ما يعني أن أي تعطل ولو جزئيًا في هذا المضيق لا يرفع سعر النفط فقط، بل يرفع أيضًا تكلفة الغاز، والتأمين، والنقل، ويصيب سلاسل الإمداد في آسيا وأوروبا وإفريقيا معًا.
والمتابع للأحداث يرى بوضوح أن الأزمة خرجت بالفعل من نطاق الاحتمال إلى نطاق الأثر الفعلي، حيث أشار صندوق النقد الدولي إلى أن الصراع ألحق ضررًا في بعض منشآت النفط والغاز وترتب عليه خفض حركة الشحن عبر مضيق هرمز بصورة حادة، كما قالت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إن تراجع تدفقات الغاز عبر المضيق رفع أسعار الغاز في أوروبا وآسيا، بينما رفعت مؤسسات مالية كبرى توقعاتها لأسعار النفط مع استمرار اضطراب الشحن وارتفاع علاوة المخاطر، وهو ما يعكس أن السوق بدأت تدفع الثمن قبل أن ترى نهاية واضحة للحرب.
ولعل المشكلة الأهم هنا أن الاقتصاد العالمي لا يتعامل فقط مع نقص محتمل في الإمدادات، بل مع نقص في اليقين نفسه، فحين تقلق شركات الشحن، وترفع شركات التأمين أسعارها، ويعيد المستوردون حساباتهم، وتزيد البنوك تكلفة التمويل، تنتقل الأزمة من البحر إلى كل حلقة في سلسلة القيمة، من الطاقة إلى النقل، ومن النقل إلى الصناعة، ومن الصناعة إلى المستهلك النهائي، ولهذا صرح رئيس وكالة الطاقة الدولية بأن الاقتصاد العالمي يواجه تهديدًا كبيرًا جدًا من هذه الحرب؛ لأن أثرها على النفط والغاز يتجاوز أزمات سابقة كثيرة.
أما في الحالة المصرية، فيظهر الأثر بسرعة أكبر من غيره؛ لأن مصر تتأثر من جهتين في ذات الوقت، جهة الطاقة وجهة الملاحة، فمن ناحية ترتفع فاتورة الواردات ومدخلات الإنتاج مع أي صعود في أسعار النفط والغاز والشحن، ومن ناحية أخرى يتعرض مورد حيوي من موارد النقد الأجنبي لضغط مباشر، وهو قناة السويس، وفي هذا الإطار، قدر صندوق النقد الدولي أن اضطرابات البحر الأحمر خفضت تدفقات النقد الأجنبي من القناة بنحو 6 مليارات دولار في 2024 مقارنة بعام 2023، كما أشار في وقت سابق إلى أن تراجع حركة التجارة عبر قناة السويس وتعطل سلاسل الإمداد يزيدان الضغوط التضخمية ويضران بالإيرادات الخارجية.
ويعني هذا أن الحرب لا تصل إلى مصر فقط عبر فاتورة الوقود، بل تصل أيضًا عبر تكلفة النقل، وسعر الغذاء، ومدخلات المصانع، وموارد الدولة من العملة الصعبة، ثم تصل بعد ذلك إلى السوق المحلية في صورة تضخم أعلى، وهوامش ربح أقل، وضغوط أكبر على الاستيراد والإنتاج، وإذا طال أمد الأزمة، فإن الخطر لا يبقى في الزيادة السعرية فقط، بل يمتد إلى ضعف القدرة على التخطيط، لأن المستورد لا يعرف أين ومتى تستقر الأسعار، والمصنع لا يعرف متى يحصل على مستلزمات الإنتاج والخامات اللازمة لتصنيع خاماته، والسوق لا تعرف كم ستدوم علاوة المخاطر.
وقد يرى بعض المحللين أن جزءًا من المشهد يرتبط بتزايد الحديث عن بدائل جزئية في التسوية التجارية بعيدًا عن الدولار، وذلك على خلفية بعض التصريحات والتقديرات أن إيران قد تسمح بالعبور للسفن حال التسوية باليوان الصيني، لكن هذه النقطة ليست هي صلب المسألة بالنسبة لمصر الآن؛ لأنها لا تمثل الخطر العاجل، حيث يتمثل الخطر العاجل في أن الحرب رفعت تكلفة الطاقة والشحن والتأمين، ووسعت مساحة عدم اليقين، وأدخلت الاقتصاد الإقليمي والعالمي في مرحلة مخاطر أعلى، أما الجدل حول العملات وآليات التسوية فيظل مسارًا جانبيًا يستحق المتابعة، لكنه لا يغير جوهر العبء الفوري الذي يقع على الدول المستوردة والمتصلة بالممرات البحرية والخدمات اللوجستية.
من هنا، فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن تلتفت إليه مصر هو كمأزمة يومًا إضافيًا ستستمر هذه الحرب، وتداعياتها على إيرادات قناة السويس، وأثرها على فاتورة الاستيراد، خاصة من السلع الإستراتيجية والأساسية؛ مثل القمح والطاقة ومدخلات الصناعة، وكم ستضيف إلى نسبة التضخم والضغط على النقد الأجنبي؛ لأن كل يوم إضافي في هذه الأزمة لا يمر بلا ثمن، بل يحمل معه زيادة جديدة في تكلفة الطاقة، وعبئًا أعلى على الاقتصاد المصري.
لهذا يجب أن تقرأ القاهرة ما يجري في هرمز بوصفه صدمة اقتصادية مركبة، وليس كمجرد تطور إقليمي عابر، فالدولة التي تعتمد على استقرار التجارة والطاقة والخدمات البحرية لا تستطيع أن تتعامل مع هذه الحرب باعتبارها شأنًا يخص الآخرين، ومصر بحكم موقعها ودورها الاقتصادي تقع في قلب هذا التأثير، ولهذا يصبح التحرك السريع لحماية الإمدادات، وتقليل تكلفة التعطل، وحماية موارد النقد الأجنبي، ومنع انتقال الصدمة إلى الأسعار، جزءًا أساسيًا من الأمن الاقتصادي الوطني نفسه، وليس مجرد استجابة فنية محدودة.
الخلاصة واضحة، إن ما يحدث في مضيق هرمز ليس مجرد أزمة جغرافيا سياسية، بل أزمة تكلفة وثقة وتدفقات، والعبرة الآن ليست بمن سيفرض روايته السياسية أولًا، بل بمن سينجح في تقليل الخسائر الاقتصادية وحماية أسواقه وموارده، وبالنسبة إلى مصر، فإن المعركة الحقيقية لا تدور في النقاشات الدولية وحدها، بل تدور هنا، في قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمة قبل أن تتحول إلى موجة أوسع من التضخم والضغط على العملة وتآكل موارد النقد الأجنبي.
الرئيس الأسبق للجنة التجارة والاستثمار في منظمة التجارة العالمية