البيت الذي يسكنه الخوف.. كيف يدمر «العنف الصامت» حياتنا من الداخل؟

30-3-2026 | 17:11
البيت الذي يسكنه الخوف كيف يدمر ;العنف الصامت; حياتنا من الداخل؟ العنف الأسري
إيمان عباس

يُعد العنف الأسري واحداً من أكثر القضايا تعقيداً في المجتمعات المعاصرة، ليس فقط لآثاره الجسدية الظاهرة، بل لكونه زلزالاً صامتاً يضرب أعماق النفس البشرية ويترك خلفه حطاماً من المشاعر المهشمة، حيث تتجاوز تداعياته مجرد الكدمات أو الجروح لتصل إلى تدمير البناء الشخصي للفرد، مما يجعل الضحية تعيش في سجن من القلق والاكتئاب والخوف الدائم من "الأمان" المفترض أن يوفره المنزل.

موضوعات مقترحة

أبعاد الأزمة النفسية

قال الدكتور إبراهيم مجدي، استشاري الطب النفسي، إن العنف الأسري ليس مجرد اعتداء بدني كما يعتقد البعض، بل هو منظومة من السيطرة القمعية التي تشمل العنف اللفظي، والنفسي، والمادي، مشيراً إلى أن الأثر النفسي للعنف غالباً ما يكون أشد فتكاً وأطول أمداً من الأثر الجسدي، لأن الجروح الجسدية تلتئم، بينما تبقى "الندوب النفسية" تنزف لسنوات طويلة وتؤثر على كفاءة الفرد وإنتاجيته في المجتمع.

وأضاف استشاري الطب النفسي أن الضحايا الذين يتعرضون للترهيب المستمر داخل محيطهم الأسري يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) بشكل يفوق ما يعانيه المحاربون في الجبهات، وذلك لأن مصدر التهديد في حالتهم هو الشخص الذي يفترض أن يكون مصدر الأمان والسكينة، مؤكداً أن هذا التناقض الوجداني يخلق حالة من التشتت الذهني الحاد وفقدان الثقة في الذات وفي الآخرين بصفة عامة.

تأثيرات ممتدة على الأطفال

وأكد الدكتور إبراهيم مجدي أن الأطفال هم الفئة الأكثر تضرراً من العنف المنزلي، حتى وإن لم يقع العنف عليهم مباشرة، فمجرد مشاهدة أحد الوالدين وهو يتعرض للإهانة أو الضرب يزرع في عقل الطفل بذور العنف المستقبلي، لافتاً إلى أن الطفل الذي ينشأ في بيئة مضطربة يميل غالباً إلى تبني سلوكيات عدوانية تجاه أقرانه، أو الانطواء الشديد والهروب إلى عالم الخيال أو الإدمان الرقمي كآلية دفاعية.

وأشار إلى أن الجهاز العصبي للطفل يتشكل تحت ضغط هرمونات التوتر مثل الكورتيزول، مما يؤدي إلى مشاكل في الذاكرة والتركيز والتحصيل الدراسي، مستطرداً في حديثه بأن هؤلاء الأطفال قد يكبرون وهم يحملون مفهوماً مشوهاً عن الحب والعلاقات الإنسانية، حيث يربطون في عقلهم الباطن بين المودة وبين السيطرة والألم، وهو ما يهدد بإنتاج أجيال جديدة تعيد تدوير نفس دائرة العنف دون وعي.

مخاطر الصمت الاجتماعي

ولفت الدكتور إبراهيم مجدي إلى خطورة "ثقافة الصمت" التي تتبعها بعض الأسر بحجة الحفاظ على السمعة، معتبرا أن كبت المشاعر وتجاهل الأزمة يؤدي بالضحية إلى الانهيار التام أو الانتحار في بعض الحالات المتطرفة، وحذر من أن تجاهل الأعراض الأولية مثل الانعزال، واضطرابات النوم، والتقلبات المزاجية الحادة، قد يؤدي إلى تحول هذه الحالات إلى أمراض ذهانية أو عضوية مزمنة مثل القولون العصبي وأمراض القلب.

واستكمل حديثه موضحاً أن المجتمع يتحمل مسؤولية كبيرة في رصد هذه الحالات قبل فوات الأوان، حيث يجب تفعيل دور الأخصائيين النفسيين في المدارس وأماكن العمل للكشف عن ضحايا العنف الصامت، مشدداً على أن العلاج النفسي لا يقتصر على الضحية فقط، بل يجب أن يمتد ليشمل "الجاني" أيضاً، لأن العنف في كثير من الأحيان يكون نتاج اضطرابات الشخصية أو ضغوطات نفسية لم يتم التعامل معها بشكل صحيح.

خارطة طريق للتعافي

وحدد استشاري الطب النفسي مجموعة من الخطوات الضرورية للتعافي، تبدأ بالاعتراف بوجود المشكلة وطلب المساعدة المتخصصة فوراً دون خجل أو تردد، واستكمل بأن بناء شبكة دعم اجتماعي من الأصدقاء أو الأقارب الموثوقين يمثل طوق نجاة للضحية، حيث يساعدها ذلك على استعادة تقدير الذات والقدرة على اتخاذ قرارات مصيرية تضمن لها ولأبنائها حياة كريمة بعيدة عن التهديد والترهيب.

واختتم الدكتور إبراهيم مجدي تصريحاته بالتأكيد على أن الدولة والمؤسسات الدينية والثقافية يجب أن تتبنى خطاباً يرفض العنف بكافة أشكاله، لافتاً إلى أن الاستقرار النفسي للأسرة هو حجر الزاوية في استقرار الوطن، فالمجتمع السوي يبدأ من بيت آمن لا يُسمع فيه صراخ ولا تُكسر فيه كرامة، مؤكداً أن الوقاية من العنف تبدأ من التربية السليمة القائمة على لغة الحوار والاحترام المتبادل بين الطرفين.

موضوعات قد تهمك:

دليل النجاة في الطقس السيئ.. كيف تحمي نفسك وسط الأمطار الغزيرة؟

مصر على خريطة التعهيد العالمية.. 9 مليارات دولار صادرات في 2026

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة