..وغابت أمي في أعيادها.. وانكسر القلب من جديد!!

30-3-2026 | 13:09

لم أكن أتخيل يومًا أن يتحول شهر مارس، بكل ما يحمله من رموز الاحتفاء بالمرأة، إلى شهرٍ يثقل القلب كلما أقبل.

في هذا الشهر يحتفل العالم بالمرأة، وتُكتب المقالات عن إنجازاتها، وتُرفع الشعارات عن قوتها وقدرتها على العطاء. ثم يأتي عيد الأم، فيفيض الكلام عن التضحية والحنان، كأن العالم كله يتفق فجأة على الاعتراف بفضل الأمهات.

لكن القلب يعرف أحيانًا معنى آخر للأشياء.

فبالنسبة لي لم يعد مارس شهر الاحتفاء، بل أصبح شهر الذاكرة.

شهرًا أستعيد فيه ملامح أمي، وصوتها، وطريقتها الهادئة في مواجهة الحياة، قبل أن يطرق المرض بابها بلا استئذان.

لم تكن أمي امرأة تبحث عن الضوء، ولم تكن ممن يحبون الظهور أو الحديث عن أنفسهم. كانت من ذلك الجيل الذي يرى أن الحياة تُعاش في صمت، وأن الواجب يُؤدى دون انتظار تصفيق أحد.

امرأة عادية في نظر الناس، لكنها في قلبي كانت المعنى الحقيقي للقوة.

حين جاء المرض الخبيث، جاء كغيمة ثقيلة لا يعرف أحد متى تنقشع.

رأيته يقترب من جسدها ببطء، لكنه لم ينجح يومًا في الاقتراب من روحها. كانت تقاومه بطريقة لا تُعلن نفسها، مقاومة هادئة تشبه صبر الأمهات على تفاصيل الحياة اليومية.

كنت أراقبها أحيانًا فأتعجب:

كيف يمكن لإنسان يتألم أن يظل حريصًا على طمأنة الآخرين؟

كانت تخفف عنا أكثر مما كانت تطلب منا أن نخفف عنها.

كأن الأمومة في داخلها كانت أقوى من المرض نفسه.

تعلمت منها في تلك الأيام درسًا لم أقرأه في كتاب.

تعلمت أن الشجاعة ليست في إنكار الألم، بل في القدرة على العيش معه دون أن يسمح الإنسان له بأن يسلبه كرامته.

ثم جاء الرحيل…

اللحظة التي يعرف العقل أنها جزءٌ من قدر الحياة، لكن القلب يرفضها مهما حاول أن يتصالح معها.

منذ ذلك اليوم تغيرت أشياء كثيرة في داخلي.

فالبيت الذي كانت أمي تسكنه لم يعد هو البيت نفسه، والسكينة التي كانت تملأ المكان اختفت كأنها كانت مرتبطة بوجودها وحده.

وجاء مارس من جديد.

جاء ومعه يوم المرأة العالمي، ثم عيد الأم، ثم رمضان… أول رمضان يمر دونها.

كنت أظن أنني مستعدة لكل شيء، لكنني اكتشفت أن الإنسان لا يستعد أبدًا لغياب الأم.

في رمضان كانت أمي تعرف كيف تصنع من التفاصيل الصغيرة طقسًا للحياة.

لم يكن الأمر مجرد طعام يُعد قبل المغرب، بل حالة كاملة من الدفء:

صوتها وهي تدعو، حركتها في البيت، حرصها على أن يجلس الجميع حول المائدة.

اليوم أكتشف أن تلك التفاصيل كانت روح البيت نفسها.

قد تُعد المائدة كما كانت، وقد يجلس الناس في أماكنهم المعتادة، لكن شيئًا خفيًا يغيب.

شيء لا يمكن تسميته بسهولة، لكنه يجعل القلب يشعر بأن جزءًا من الحياة قد انسحب بصمت.

ومع ذلك، فإن الأمهات لا يرحلن كما نظن.

هن يتركن وراءهن أثرًا لا يمكن محوه.

يختبئن في طريقة كلامنا، وفي ردود أفعالنا، وفي تلك اللحظات التي نجد أنفسنا نتصرف فيها كما كنّ يتصرفن.

أحيانًا أكتشف أنني أقول جملة كانت أمي تقولها دائمًا، فأبتسم رغم الحزن.

كأنها ما زالت هنا بطريقة ما.

ربما لهذا السبب يصبح الحزن على الأم مختلفًا عن أي حزن آخر.

إنه حزن ممتد، لكنه يحمل في داخله امتنانًا عميقًا أيضًا.

فالإنسان حين يفقد أمه لا يفقد الحب الذي منحته له، بل يكتشف فقط كم كان هذا الحب كبيرًا.

وهكذا يمر مارس هذا العام بثقله كله:

الأعياد التي تتحدث عن الأم، ورمضان الذي يبدأ بلا صوتها، والطريق الممتد حتى عيد الفطر.

ومع كل ذلك يبقى في القلب يقين واحد:

أن الأم التي علمتنا كيف نعيش بكرامة، لا يمكن أن تغيب تمامًا.

قد لا نسمع صوتها، لكن أثرها يظل معنا في الطريق، يرافق خطواتنا بصمت، ويذكرنا كل يوم بأن الحب الذي زرعته فينا أقوى من الغياب.

رحمك الله يا أمي.

فقد أخذك مارس من بين أيدينا، لكنه لم يستطع أن يأخذك من قلبي.

كلمات البحث
الأكثر قراءة