لا تمر المنطقة العربية اليوم بمرحلة اضطراب عابر يمكن احتواؤه ببضعة بيانات دبلوماسية، أو بانتظار تبدل موازين القوى الدولية؛ ما يجري في الشرق الأوسط هو لحظة تاريخية أشبه بـ«اختبار وجودي» حاد، تضع فيه الجغرافيا العربية أمام سؤالها الأشد قسوة: هل تملك هذه المنطقة القدرة على حماية نفسها وصياغة مستقبلها، أم أنها ستظل ساحة مفتوحة تتقاطع فوقها مصالح القوى الكبرى؟!
فالتاريخ يعلمنا أن الفراغ لا يبقى فراغًا طويلًا. كل مساحة تتركها الدول دون حماية كافية سرعان ما تتحول إلى مجال نفوذ لقوى أخرى أكثر تنظيمًا وأشد قدرة على إدارة الصراع. وهكذا تحولت منطقتنا خلال العقود الماضية إلى مسرح مفتوح لمعارك تتجاوز حدودها، بينما يدفع أبناؤها وحدهم فاتورة الدم والخراب.
ليست المشكلة الحقيقية في أن القوى الدولية تسعى إلى توسيع نفوذها، فذلك من طبيعة السياسة الدولية منذ فجر التاريخ. المشكلة الأعمق تكمن في أن منطقتنا كثيرًا ما قدمت نفسها، طوعًا أو اضطرارًا، كبيئة مناسبة لهذا التمدد. فالانقسام العربي، وضعف آليات التنسيق الإقليمي، وتآكل مفهوم الأمن الجماعي، كلها عوامل جعلت من الشرق الأوسط ساحة مثالية للصراعات بالوكالة.
ولعل أخطر ما في هذه الحالة أن المنطقة أصبحت في كثير من الأحيان «ملعبًا» لا «لاعبًا». فبدل أن تصوغ دولها قواعد اللعبة وفق مصالحها، وجدت نفسها مندفعة داخل معادلات صاغها آخرون. وحين يحدث ذلك، تتحول السيادة الوطنية إلى مفهوم هش، وتصبح القرارات المصيرية رهينة حسابات خارجية لا تعكس بالضرورة مصالح شعوب المنطقة.
والحاجة ملحة الآن إلى مراجعة جادة لمسار العمل العربي المشترك. فالتاريخ القريب يثبت أن الحلول الفردية لم تعد قادرة على توفير الأمن أو الاستقرار في عالم شديد التشابك. لقد حاولت دول كثيرة في الإقليم أن تحمي نفسها منفردة، لكنها اكتشفت في النهاية أن قوة الدولة في هذا العصر لا تقاس فقط بما تملكه من قدرات داخلية، بل أيضًا بما تنتمي إليه من منظومات إقليمية قادرة على الردع والتأثير.
يكتسب الحديث، عبر هذا المساق، عن بناء قوة عربية مشتركة أهمية خاصة. فالفكرة ليست مجرد إنشاء تشكيل عسكري جديد بقدر ما هي تعبير عن إدراك متأخر لحقيقة بديهية: لا يمكن لمنطقة تعيش في قلب العواصف الجيوسياسية أن تبقى بلا مظلة أمنية جماعية. إن امتلاك قدر من التنسيق الدفاعي والسياسي بين الدول العربية لم يعد رفاهية إستراتيجية، بل أصبح ضرورة وجودية تفرضها طبيعة المرحلة.
وليس المقصود بذلك الدخول في سباق تسلح أو البحث عن مواجهات مفتوحة، بل بناء قدرة ردع تجعل أي اعتداء محتمل مكلفًا إلى درجة تدفع الجميع إلى التفكير ألف مرة قبل الإقدام عليه. فالتوازن هو اللغة الوحيدة التي تفهمها السياسة الدولية، وكل نظام إقليمي لا يمتلك أدوات هذا التوازن يصبح عرضة للابتزاز أو التهميش.
غير أن بناء مثل هذه المنظومة لا يتطلب فقط إمكانات عسكرية، بل يحتاج قبل كل شىء إلى إرادة سياسية مشتركة، وإلى رؤية إستراتيجية تتجاوز الحسابات الضيقة والصراعات الثانوية؛ فالتاريخ العربي المعاصر يعج بالمشروعات التي ولدت طموحة، ثم تراجعت بفعل الخلافات أو غياب الثقة المتبادلة.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: إذا كانت التهديدات التي تواجه المنطقة قد بلغت هذا الحد من الخطورة، فمتى يمكن أن تتوافر الظروف المناسبة لإطلاق مشروع حقيقي للأمن العربي المشترك؟
إن اللحظات الكبرى في التاريخ غالبًا ما تولد من رحم الأزمات؛ فالكثير من التكتلات الإقليمية في العالم لم تنشأ في أوقات الهدوء، بل في فترات شعرت فيها الدول بأن بقاءها ذاته أصبح مهددًا. ومن هنا قد تكون العاصفة التي تضرب الشرق الأوسط اليوم فرصة لإعادة التفكير في شكل النظام الإقليمي الذي تحتاجه المنطقة.
لكن هذه الفرصة لن تتحول إلى واقع إذا استمر الخطاب السياسي العربي أسير ردود الأفعال. فالمطلوب ليس مجرد تشخيص الأزمات أو تعداد الأخطار، بل الانتقال إلى مرحلة صياغة مشروع واضح للمستقبل، يقوم على التكامل الاقتصادي والتنسيق الأمني وتعزيز الاستقلال الإستراتيجي.
فالقوة في عالم اليوم لم تعد تعني فقط امتلاك الجيوش، بل أيضًا القدرة على بناء اقتصاد متماسك، وتطوير العلم والتكنولوجيا، وصياغة خطاب سياسي قادر على توحيد الإرادة الجماعية. وهذه العناصر مجتمعة هي التي تصنع «المناعة» الحقيقية للدول والمجتمعات.
إن العاصفة التي تضرب الشرق الأوسط اليوم ليست مجرد فصل جديد في سلسلة الأزمات التي عرفتها المنطقة، بل هي لحظة اختبار قاسية قد تحدد شكل المستقبل لعقود مقبلة. فإما أن تدفعنا هذه اللحظة إلى إعادة بناء منظومة عربية أكثر تماسكًا وقوة، أو أن تتركنا أكثر تفرقًا وضعفًا في عالم لا يعترف إلا بلغة المصالح والقدرة.
ولا يسعنا سوى طرح السؤال الحاسم معلقًا فوق سماء المنطقة: هل نملك الشجاعة الكافية للانتقال من دور الجلوس على كرسي المتفرج على التاريخ إلى دور صانعه؟
إن هذا هو التحدي الحقيقى؛ لأن الأمم لا تحفظ مكانها في العالم بالبكاء على ما فقدته، بل بقدرتها على تحويل لحظات الخطر إلى بدايات جديدة لقوة لم تكن تملكها من قبل.