تعال إلى عالم ترامب

30-3-2026 | 13:10

تحذير حكومي: محاولة فهم هذا العالم يضر بصحتك وننصحك بالابتعاد عنه.. 

هذا تحذير معدل.. والتحذير الأصلي كانت تنشره الصحف مصحوبًا بإعلانات السجائر الأمريكية الشهيرة.. تلك التي تصور أجواء الصحراء ورعاة البقر وفي الخلفية أعالي الجبال، في مشهد الفتيان الشجعان، وهم في استراحة متنزه أو محارب. 

رغم ذلك فإن كثيرين يحاولون فهم وتفسير عالم الرئيس دونالد ترامب الطائر، فمعظم تصريحاته المثيرة للجدل هي دائمًا على متن الطائرة الرئاسية الأمريكية، وهي تصريحات يصيب شذرها حتى من يسأل من الصحفيين، ويطال الأمر ما يسألون عنه شخصًا أو مؤسسة أو بلدا. وليس بالأمر الغريب أن تمر الكاميرا علي الصحفيين المرافقين للرئيس، فتراهم وكأن على رؤوسهم الطير: متحفزون، مرعوبون، وبعضهم تنفلت منه الشجاعة في مواجهة أعتى الرؤساء، والذي له رأي شخصي في كل سياسي أمريكي، شخصًا كان أو حزبًا أو تجمعًا أو منصة إعلامية. بينما لا يمكن لأحدهم ـ الصحفيون المرافقون ـ توقع الجملة التالية على لسان السيد الرئيس، بما في ذلك توجيه الإهانة إلى بعضهم. 

وكما لا يوفر الزئير في سماء الولايات المتحدة الشاسعة، فإنه ما أن يهبط من الطائرة، ليجد تجمعًا يقول فيه قبل أيام: "إن كوبا هي التالية"، والأمر واضح، هي التالية بعد فنزويلا وإيران. ومن يحكم بذلك هو السيد ترامب، لأنه من يملك وقف الحرب مع إيران، والالتفات إلى الدولة التالية، على لائحته، ولا يمكن توقع باقي الدول، وهو يفعل ذلك ويسجل الدول على قائمته الرئيسية وما يستهدفه من دون مواربة، ومن دون اكتراث للقانون والسلام وسيادة الدول وحقوق شعوبها. ربما تذكر ترامب وهو يتحدث في منتدى الاستثمار في ميامي يوم الجمعة الماضي أن كوبا قريبة جدًا من حيث يقف.. يستطيع أن يراها من هناك، ويستطيع أن يتذكر التحدي الذي مثلته الجزيرة الصغيرة للولايات المتحدة عبر سنوات القرن العشرين.

أما لماذا لا يكبح مساعيه في السيطرة على العالم وإعادة رسم شروط الحياة في دول عدة، فلأنه مازال يعتقد بأن قاعدة مؤيديه "تريد القوة والنصر". 

ويبدو أن الحديث جدي لأن ترامب يحوم كالفراشة ويلسع كالنحلة (جملة من محمد علي كلاي وهو يفسر طرق الفوز علي الخصوم) فقد وضع حصارًا نفطيًا على كوبا ابتداء من يناير الماضي، حصار نفطي في بلد عاش أغلب سنواته تحت الحصار الاقتصادي الأمريكي منذ عام 1962. 

وفي محاولة تقودك إلى عدم الفهم فإنه بعد أن أعلن أن "كوبا هي التالية"، قال في نفس الخطاب: "بالمناسبة.. تظاهروا وكأنني لم أقل شيئا". وقال لوسائل الإعلام: "تجاهلوا هذا التصريح، وكوبا هي التالية". وضحك من في المنتدي، في أمر يسبب الحزن والحيرة والأسى في العالم كله، العالم الذي يتم التلاعب بأساساته، ويطاح بما استقر عليه، لصالح قيم لا نعرفها، صادرة عن بلد عظيم كالولايات المتحدة الأمريكية، التي كنا نظن أنها يمكن أن تكون النموذج والمثال. 

ويحار الفهم رغم كل المحاولات في تفسير ارتباط تفكير ترامب بالخلود وقبل ذلك بالجزاء، لأنه ركز طويلًا علي ضرورة فوزه بجائزة نوبل للسلام، ما فتح المجال أمام بلدان عدة لاتقاء شره وترشيحه، وهو يعرف أنه لن يحصل عليها أبدًا، هو صرح بذلك. أما الخلود فهو اعترف بأنه لن يدخل الجنة، حيث الخلود الحقيقي لأصحاب السيرة والعمل الطيب. وحسب وسائل إعلام فإنه صرح قبل حربه على إيران، وكان يستهل "فطور الصلاة الوطني بأنه قد لا ينجح في الوصول إلى الجنة، قول: "لا أعتقد أنني مؤهل لذلك. ولا أظن أن هناك شيئًا يمكنني فعله حيال ذلك". ثم عاد في تصريحاته، ليقول أنه من المرجح أن يدخل الجنة. وشرح بأنه يمازح وسائل الإعلام. 

هو يريد أن يكون عظيمًا حتى ولو بقتل الناس وإشعال الحروب في كل مكان. وهو يسعد كطفل من كلمات الثناء ويطالب بالمزيد منها.. وآخر ابتكاراته وضع توقيعه كأول رئيس أمريكي على الدولار بجوار وزير الخزانة سكوت بيسنت، الرجل الذي لم تسعه السعادة حتى أنه يرى: "لا توجد طريقة أقوى للاحتفاء بالإنجازات التاريخية لبلدنا العظيم، ورئيسنا دونالد جيه ترامب من إصدار أوراق نقدية من فئة الدولار الأمريكي تحمل اسمه". ولا يمكن فصل هذا التوجه على ورق العملة الامريكية عن رقصه في شرفة البيت الأبيض الجمعة الماضية، بعدما ما تحدث مع مزارعين، على أنغام أغنية فرقة "فيلدج بيبول". 

ما يهمنا أقرب من الأجواء التي تسبح فيها الطائرة الرئاسية للرئيس ترامب وتطير فيها تصريحاته التي ترق لمؤيديه.. ونسعى في مصر لوقف الحرب، ووضع حد للحرب الأمريكية الاسرائيلية ضد إيران، ونسعى لترك شعوب المنطقة تضمد جراحها وتحصي ضحاياها، وتعيد إعمار ما دمرته الولايات المتحدة وإسرائيل، والمثير للحزن والقلق أن الشرق الأوسط من دون العالم كله، الأكثر حاجة لإعادة الإعمار في غزة، لبنان، دول الخليج العربية، ليبيا، السودان، سوريا، اليمن، وإيران.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة