لم يكن يتخيل الملايين من الناس، حين يتخطون عتبة الخمسين من العمر، أن نمط حياتهم السريع، خاصة في ظل الوجبات السريعة وقلة الحركة، سينتهي بهم إلى تشخيص مزدوج" السمنة والسكر".
لم تعد هذه القصة استثناء، بل أصبحت نموذجًا يتكرر في كل مدن العالم، حيث تتقاطع أنماط الحياة الحديثة مع تحديات صحية تزيد حدتها كل يوم، لكنها تترك آثارًا عميقة على الأفراد والمجتمعات، ومن ثم ميزانيات الحكومات.
بيانات منظمة الصحة العالمية تحذر أن العالم يشهد ارتفاعًا غير مسبوق في معدلات السمنة، إذ يعاني منها أكثر من 890 مليون شخص، وهو رقم تضاعف تقريبًا منذ تسعينيات القرن الماضي. ولم تعد المشكلة حكرًا على البالغين، بل امتدت إلى الأطفال والمراهقين، في دلالة واضحة على تحول السمنة إلى أزمة صحية عابرة للأجيال والمتهم الأول من دون شك هو الوجبات السريعة وقلة الحركة.
خطورة السمنة أنها ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمرض السكر، خاصة من النوع الثاني " أو سكر الكبار غير المعتمد على الإنسولين"، حيث تؤدي زيادة الدهون في الجسم إلى اضطراب استجابة الخلايا لهرمون الإنسولين.
ووفقا للتقديرات فإن عدد المصابين بالسكر عالميا بلغ نحو 830 مليون شخص، وتكمن خطورة هذا المرض في طبيعته الصامتة، إذ قد يتطور دون أعراض واضحة في مراحله الأولى، قبل أن يؤدي إلى مضاعفات خطيرة تشمل أمراض القلب، والفشل الكلوي، وفقدان البصر، ما يجعله من أبرز أسباب الوفاة المبكرة عالميا.
وتزايد معدل اخطر يعود إلى مجموعة معقدة من العوامل، في مقدمتها التحولات الجذرية في أنماط الغذاء، حيث أصبحت الأطعمة المُصنعة الغنية بالسكريات والدهون متاحة على نطاق واسع وبأسعار منخفضة.
والأخطر من ذلك، أن الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا أدى إلى تراجع مستويات النشاط البدني، مما خلق بيئة تُوصف علميًا بأنها " مواتية للسمنة". كما تلعب العوامل الاجتماعية والاقتصادية دورًا مهمًا، خاصة في السنوات الأخيرة، إذ ترتبط الخيارات الغذائية غالبًا بمستوى الدخل، ما يدفع بعض الفئات إلى استهلاك أغذية أقل جودة من الناحية الصحية.
ولا تقتصر تداعيات هذه الظاهرة على الصحة الفردية، بل تمتد إلى الاقتصاد وأنظمة الرعاية الصحية، إذ تمثل تكاليف علاج الأمراض المرتبطة بالسمنة والسكر عبئًا متزايدًا على الحكومات، خاصة في الدول النامية. كما تؤدي هذه الأمراض إلى انخفاض الإنتاجية وزيادة معدلات التغيب عن العمل، ما ينعكس سلبًا على التنمية الاقتصادية ويزيد من الضغوط على الموارد الصحية المحدودة.
عربيا، تتخذ هذه الأزمة أبعادًا أكثر حدة، فهناك أكثر من دولة عربية ضمن قائمة أكثر عشر دول إصابة بالسكر في العالم، حيث تسجل معدلات مرتفعة بشكل لافت. ففي مصر، تقترب نسبة انتشار السمنة بين البالغين من 40%، بينما تتجاوز 45% في دول مثل الكويت والسعودية وقطر، لتصبح من بين الأعلى عالميا. وتشير التقديرات إلى أن انتشار السكر في المنطقة يبلغ نحو 16.2%، مع وجود أكثر من 11 مليون مصاب في مصر وحدها، وهو ما يعكس تحديًا صحيًا متصاعدًا يتطلب استجابة فعالة ومتكاملة.
ورغم هذا المشهد المقلق، فإن الفرصة لا تزال قائمة للحد من هذه "الأوبئة الصامتة". فقد أثبتت الدراسات أن تبني نمط حياة صحي، يقوم على التغذية المتوازنة والنشاط البدني المنتظم، يمكن أن يقلل بشكل كبير من خطر الإصابة.
وقد أحسنت وزارة الصحة المصرية صنعا، حين أطلقت حملة توعوية وتحفيزية واسعة في رمضان 2026 تحت شعار "أنت الحل" و"رمضان بصحة لكل العيلة"، بهدف تعزيز الصحة العامة، وتقليل الوزن، وتشجيع أنماط الحياة الصحية، ولعل مثل هذه الحملات تكون بداية لإطلاق مزيد من الحملات التي تصب في النهاية في مصلحة الصحة العامة.
خلاصة القول، مع التقدم العلمي في مجالات العلاج والوقاية، يبقى الأمل معقودًا على وعي الأفراد وتكاتف المجتمعات لإعادة صياغة علاقتنا بأسلوب الحياة، قبل أن تتحول هذه الأزمات إلى واقع أكثر تعقيدًا وكلفة.